يقف العرب اليوم في مرمى نيران متقاطعة ( سياسية وعسكرية واقتصادية ) لا من جهة واحدة، بل من محاور متعددة، تتشابك أهدافها وتتكامل نتائجها، وإن تباينت مبرراتها المُعلنة، ونواياها المضمرة.
ان فهم هذا الاستهداف، لا يمكن اختزاله في قراءة ( لحظية ) للتطورات الميدانية في المنطقة، بل يستدعي استيعاب البيئة الاستراتيجية الكاملة للمشهد الإقليمي الذي يتشكّل من جديد - بالحديد والنار والدمار والدولار - على أنقاض ما كان يُسمّى النظام الدولي.
فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وجد الأردن ودول الخليج العربي انفسهم في موقع وموقف مُرهِق، اذ تُبرر طهران ضرباتها التي تطال فضاء دولهم وارضها، على أنها موجهة نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية، غير أن الصواريخ والمسيّرات لا تعرف هذا التمييز الجغرافي الدقيق، بل انها تُثبت العكس، فتتساقط على الجغرافيا العربية، والمواقع الحيوية،وتحدث انتهاكاً للسيادة، وضررا وهلعاً، واستنفارا عسكريا وامنيا مكلفا، مادياً ومعنوياً .
الواقعية السياسية تؤكد ان هذه الدول لا تملك ترف ( الحياد التام ) في حرب تخوضها قوة عظمى، وقوتان اقليميتان، عن يمينها وعن يسارها، وما يزيد المشهد تعقيداً أن أي ردّ فعل عربي يُفسَّر في طهران، على أنه ( انحياز ) ضدها، فيما يُفسَّر غيابه في واشنطن على أنه ( تقاعس ) يؤثر عليها، وهكذا تجد هذه الدول انفسها محاصرة بين خيارات جميعها مُكلفة، رغم انها لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل.
وعلى الجبهة الاخرى، يواجه معظم العرب الخطر الإسرائيلي القديم المتجدد، الذي اصبح خلال الاشهر الماضية،يأخذ أشكالاً أكثر صراحة وأقل مواربة، اذ ان ما كان يُهمَس به في الكواليس، بات يُصرَّح به على المنابر والمنصات والشاشات، ومن اعلى المستويات، ويثبًت في الخرائط المتداولة في أروقة الحكومة الإسرائيلية.
إن الحديث عن “إسرائيل الكبرى” لم يعد حكراً على هامش اليمين المتطرف، بل أصبح خطاباً يُلوَّح به من مواقع القرار الاسرائيلي، في الوقت الذي تمضي فيه سياسة القتل والتجويع والاستيطان والتضييق على ابناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، بخطى ممنهجة، بهدف جعل حياتهم لا تُطاق، وتهجير العدد الاكبر منهم، صوب الأردن ومصر.
بناء على ما سبق، فانه لا يمكن عزل الضغوط الاقتصادية المتراكمة على بعض البلدان العربية منذ سنوات طويلة ومنها الاردن ومصر، عن هذا السياق الاستراتيجي الأشمل، على اعتبار ان الدولة عندما تكون مثقلة بالديون، وشحيحة الموارد، وتعاني من البطالة، تظل أكثر قابلية للإذعان، حين تأتي اللحظة المناسبة، لتنفيذ المخططات المرسومة.
وعليه، فان الإبقاء على هذه الدول في حالة ضعف اقتصادي مزمن ليس صدفة او نتاج طبيعي لمعادلة الموارد، بل يبدو في ضوء المعطيات الراهنة، سياسة مدروسة غايتها ( استنزاف الإرادة ) قبل أن تُطرح الشروط.
دول الخليج العربي ( العمود الفقري الاقتصادي للأُمة ) تتعرض هي ذاتها لنفس الاستهداف، ولكن بطريقة مختلفة، اذ تجري محاولات حثيثة من اجل استنزاف قدراتها المادية، وحرمانها من مصادر قوتها، تحت عناوين متباينة،ومن الواضح ان الطرف الآخر لم ينسى لها استخدامها لسلاح النفط في العام ١٩٧٣ ،فيما يجري اتباع اساليب وسياسات مبتكرة مع كل من سوريا ولبنان والعراق.
إن الحديث عن الاستهداف لا يعني باي حال من الاحوال، القبول بصورة الضحية العاجزة، فالعرب يملكون من عناصر الصمود - إن أُحسن توظيفها - ما يكفي لإحباط سيناريوهات الإخضاع، ولعل محطات معركة ( الكرامة) و ( حرب اكتوبر ) تبقى تذكرنا ان العرب قادرون على تحقيق النصر عندما تُفرض عليهم المواجهة.
في هذه المعادلة، نجد ان دول الطوق ليس دول مُستهدفة فقط، بل هي خط الدفاع الأول عن العمق العربي كله،ولذا فان دعمها وتقويتها،باتت واجباً عربياً جماعياً،تفرضه المصلحة العامة، قبل أن يمليه الواجب القومي، وهذا الطرح ليس ترفاً سياسياً، او امنيات رغائبية، بل هو الرهان الاستراتيجي الأذكى، في مرحلة لا تتسامح مع الأوهام او حُسن النوايا.
ولعل أبرز ما يطرحه المشهد الراهن هو ذلك الوعي العربي الجديد الذي بدأ يُعيد ترتيب أولوياته، قبل وبعد اندلاع الحرب الاخيرة، فالدول العربية جميعها، ادركت أن إسرائيل لا تُفرّق في نهاية المطاف بين أردني ومصري وسعودي وقطري وجزائري وسوداني، حين يتعلق الأمر بمشروعها التوسعي، او نواياها العدوانية
العرب مستهدفون لأن بلدانهم تقع في قلب الخريطة التي يريد الآخرون إعادة رسمها، لكن الاستهداف لا يعني حتماً الانكسار او الخضوع والخنوع، فالتاريخ ينبئنا كيف ان دولاً صمدت عندما امتلكت الإرادة، وكيف ان أُمماً انتصرت،عندما أحسنت قراءة لحظتها وتكاتفت وحوًلت الضغوطات التي تُمارس عليها، إلى دافعا للتحدي والتوحد والنجاة.
theeb100@yahoo.com