facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصناعات العسكرية والأبعاد الاقتصادية


د. عادل محمد القطاونة
26-01-2026 12:11 AM

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم التحديات الاقتصادية، ارتفاع الأسعار العالمية وتزايد التهديدات الأمنية، مع تنامي التداخلات الدولية وتشابك المصالح الاقتصادية، أضحت الصناعات العسكرية تحتل موقعًا محوريًا في المشهد العالمي، لا بوصفها قطاعًا عسكريًا تقليديًا فحسب، بل باعتبارها أحد أبرز محركات التصنيع العالمي، ورافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي، وأداة فاعلة لتعزيز النفوذ الدولي.

مع التسارع اللافت في التطور التكنولوجي، وتواصل الثورة الرقمية، باتت الصناعات العسكرية أكثر قدرة على فرض حضورها الواسع، حيث غدا البحث العلمي والتطوير التقني المتقدم ركيزتين أساسيتين في منظومة التصنيع العسكري، ومحددَين رئيسيين لمستويات الكفاءة والاستدامة، والقدرة التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.

تشير التقديرات الدولية إلى أن حجم الإنفاق العسكري العالمي تجاوز 2.7 تريليون دولار أمريكي في عام 2024، مسجّلًا أعلى مستوى له في التاريخ الحديث. وتعكس هذه الأرقام أبعادًا متشابكة، يأتي في مقدمتها تصاعد النفقات العسكرية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وتفاقم الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتنامي إدراك الدول لمخاطر التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية. كما تعبّر هذه المؤشرات عن تحولٍ بنيوي في النظرة العالمية إلى الصناعات العسكرية والأمنية، سواء في بعدها الدفاعي أو الهجومي، باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا ذا عوائد اقتصادية وسياسية بعيدة المدى.

شكّلت الولايات المتحدة ما يقارب 37% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، تلتها كل من الصين وروسيا وألمانيا والهند والمملكة المتحدة، لتستحوذ هذه الدول الست مجتمعة على أكثر من 64% من حجم الإنفاق العسكري العالمي، في دلالة واضحة على تمركز القوة العسكرية والاقتصادية في أقطاب دولية محددة.

في هذا السياق، تحولت شركات التصنيع العسكري الكبرى إلى كيانات اقتصادية عملاقة عابرة للحدود، تقود مسارات الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتستشرف آفاق المستقبلين الإلكتروني والافتراضي، وتستثمر بكثافة في تطوير تقنيات الأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات المتقدمة، والتقنيات الدفاعية والمعلوماتية الذكية.

نجحت هذه الشركات في إحداث أثر ملموس في اقتصادات دولها، محققة أرباحًا سنوية تُقدَّر بمليارات الدولارات، الأمر الذي أسهم في تعاظم نفوذها الاقتصادي، وتوسيع دوائر تأثيرها السياسي، على المستويين الإقليمي والدولي، لتغدو فاعلًا رئيسيًا في معادلات القوة الحديثة، وصانعًا مؤثرًا في توجهات القرار الاستراتيجي.

لم تعد الصناعات العسكرية اليوم مجرد أدوات دفاعية أو وسائل ردع تقليدية، بل غدت عاملًا محوريًا في تشكيل العلاقات الدولية، ووسيلة لتعزيز التحالفات الاستراتيجية بين الدول، وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية والعالمية، فضلًا عن دورها في إذكاء سباقات التسلح، لا سيما في المناطق التي تشهد توترات سياسية واقتصادية مزمنة.

تُمثل الصناعات العسكرية، بمفهومها الحديث، نموذجًا استراتيجيًا للاستثمار العالمي والتقدم التكنولوجي والبحثي، على الرغم مما يثيره توسعها من تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق العام، لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها بعض دول العالم، والحاجة الملحّة إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.

إن التعامل مع الصناعات العسكرية لم يعد شأنًا أمنيًا محضًا، بل غدا ضرورة اقتصادية، وأولوية وطنية، وخيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه في عالم سريع التحول، شديد الاضطراب، متسارع الإيقاع، يفرض نفسه كأداة مركزية لإدارة العلاقات الدولية، وتحقيق التوازنات، ومواجهة التحديات والأزمات الاقتصادية.

أخيراً وليس آخرًا، فإن التطور التكنولوجي المتسارع يفرض على الدول تحديات جسيمة، تستوجب وضع التصنيع العسكري في صدارة أولوياتها الوطنية، مع ضرورة إدراك أن المواكبة العلمية والتقنية لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل التزامًا دائمًا، حتى لا يغدو ما يُقتنى بالأمس متقادمًا بالغد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :