الحروب تنشر قراءة نقدية معمقة لمشروع قانون الضمان الاجتماعي
11-03-2026 03:50 PM
عمون - نشرت الأمين العام لحزب العمال، الدكتورة رلى الحروب قراءة نقدية معمقة لمشروع قانون معدل لقانون الضمان الاجتماعي.
وقالت الحروب في قراءتها إنّ الدول المتقدمة تعتمد في تعديلات منظومات الضمان الاجتماعي عدة محاور أساسية وهي الحوار الاجتماعي الواسع و الدراسات الاكتوارية والاقتصادية ومشاركة النقابات العمالية والمهنية وأصحاب العمل ورقابة البرلمان والجهات المالية المعنية وشفافية النقاش العام قبل الإصلاح.
وتاليًا نص القراءة المعقمة
يُعدّ الضمان الاجتماعي، في كل أنحاء العالم، عقداً اجتماعياً وعقدَ ثقة بين الدولة والأفراد، وليس مجرد قانون مالي يمكن تغييره أو تعديله بجرة قلم. فالضمان الاجتماعي، في جوهره، أحد أهم أدوات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وأحد الأعمدة التي تقوم عليها علاقة الدولة بالمواطن، لأنه يمسّ حياة الإنسان منذ دخوله سوق العمل وحتى الشيخوخة أو العجز أو الوفاة أو التعطل عن العمل.
ولهذا، فإن الدول المتقدمة، عند تعديل قوانين الضمان الاجتماعي، لا تتعامل مع الأمر بوصفه إجراءً مالياً محضاً، بل تعتمد منظومة منهجية متكاملة تتكون من خمسة أركان رئيسة، هي:
1.الحوار الاجتماعي الواسع
2.الدراسات الاكتوارية والاقتصادية
3.مشاركة النقابات العمالية والمهنية وأصحاب العمل
4.رقابة البرلمان والجهات المالية المعنية
5.شفافية النقاش العام قبل الإصلاح
وعند إجراء أي تعديلات على قوانين الضمان الاجتماعي، ينبغي أن تحافظ هذه القوانين على ثلاث ركائز أساسية لا يجوز المساس بتوازنها، وهي:
أولاً، وجود آليات شفافة ومعلنة تسبق عملية التعديل؛
ثانياً، الحفاظ على الفلسفة الرئيسة لقوانين الضمان الاجتماعي، والمتمثلة في التضامن الاجتماعي، والحماية من مخاطر الحياة، والاستدامة بين الأجيال، ونموذج الأعمدة الثلاثة الذي تطور لاحقاً إلى الأعمدة الأربعة؛
وثالثاً، تجويد عمليات الحوكمة، باعتبارها الضمانة الحقيقية للاستدامة المالية.
وعلى سبيل المثال، وضمن محور آليات تعديل قوانين الضمان الاجتماعي في العالم، فإن هذه العملية في الدول المتقدمة تمر غالباً عبر مسار متعدد المراحل يشمل الحوار المجتمعي، والتقييم العلمي، والرقابة البرلمانية. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، يبدأ الإصلاح بتشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم خبراء اقتصاد، وعلماء اجتماع، وممثلين عن العمال وأصحاب العمل. وتتولى هذه اللجنة فحص بيانات الضمان، وإعداد أوراق نقاشية، ومراجعة ما لدى الحكومة من أوراق ومقترحات، ثم تجري حواراً واسعاً مع المجتمع المدني والبرلمان، بهدف الحفاظ على العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفقر والبطالة، وتحقيق الاستدامة المالية لأعمال الضمان.
وفي أوروبا، على سبيل المثال، تشمل أطراف الحوار الاجتماعي: الحكومة، والنقابات العمالية والمهنية، واتحادات أصحاب العمل، ومنظمات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب، وخبراء الاقتصاد. ويُعرف هذا النموذج باسم الحوكمة الثلاثية، أي: العاملون، وأصحاب العمل، والحكومة.
وفي فرنسا وألمانيا تحديداً، يتم التفاوض حول إصلاح نظم الضمان الاجتماعي من خلال مفاوضات مع النقابات، وجلسات استماع برلمانية، وتقارير خبراء، بالإضافة إلى وجود مؤسسات متخصصة يديرها بالتساوي ممثلو العمال وأصحاب العمل. وتشارك هذه المؤسسات في تصميم الإصلاحات، وإدارة الصناديق، ومراقبة التطبيق.
كما تنشر كثير من الحكومات، قبل إصلاح نظم الضمان الاجتماعي، ما يُعرف بـ الكتب الخضراء والكتب البيضاء؛ فالكتاب الأخضر يكون ورقة نقاش مطروحة للحوار حولها، تنتهي بصياغة الكتاب الأبيض الذي يمثل السياسة الحكومية النهائية بعد إشباع الموضوع بحثاً ومداولة.
وتُجري معظم الدول أيضاً استشارات عامة تشمل: جلسات استماع عامة، واستطلاعات رأي، ومنصات إلكترونية للنقاش، وورش عمل مع النقابات والقطاع الخاص.
ويأتي ذلك بالإضافة إلى الدراسات الاكتوارية والرقابة البرلمانية، بحضور خبراء وممثلين عن الأحزاب والنقابات ومنظمات المتقاعدين، في جلسات اللجان المتخصصة في البرلمان، كلجان العمل والمالية واللجنة القانونية.
فهل فعلت حكومتنا كل ذلك قبل أن تقدم على تعديل القانون الأهم الذي يمس حياة كل فرد منا، صغيراً كان أم كبيراً، بل ويمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي برمته، وقد تمتد تداعياته إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير؟!
أولاً: تذكير بفلسفة الضمان الاجتماعي في العالم
تقوم أنظمة الضمان الاجتماعي في العالم على ثلاث فلسفات رئيسية، يضاف إليها النموذج البنيوي المعروف بالأعمدة المتعددة:
1. فلسفة التضامن الاجتماعي
وهي الأساس في معظم الدول الأوروبية، وتعني أن العاملين يمولون المتقاعدين، وأن الأغنياء يدعمون الفقراء، وأن الأجيال الحالية تموّل الأجيال السابقة.
ويُعرف هذا النظام باسم PAYG، أي: Pay As You Go.
2. فلسفة الحماية من مخاطر الحياة
ظهر الضمان الاجتماعي أساساً لمعالجة مخاطر الحياة الكبرى، مثل: الشيخوخة، والعجز، والبطالة، والمرض، والوفاة.
وتقوم الفكرة الأساسية هنا على أن الدولة تضمن الحد الأدنى من الدخل والحماية الاجتماعية لجميع الأفراد.
3.فلسفة الاستدامة بين الأجيال
في إصلاحات قوانين الضمان الحديثة، أصبح الهدف هو تحقيق توازن دقيق بين: العدالة الاجتماعية، والاستدامة المالية، وحقوق الأجيال القادمة.
4. نموذج الأعمدة الثلاثة الذي تطور لاحقاً إلى الأعمدة الأربعة
تعتمد معظم دول العالم نظاماً متعدد الأعمدة، بحيث يضم:
العمود الأول: تقاعداً حكومياً إلزامياً؛
العمود الثاني: تقاعداً مهنياً عبر الشركات والقطاع الخاص؛
العمود الثالث: ادخاراً فردياً عبر الاشتراكات الاختيارية.
ثم تطور هذا النموذج لاحقاً إلى فكرة الأعمدة الأربعة التي تشمل استمرار العمل الجزئي بعد التقاعد.
ثانياً: مراجعة سريعة لكيفية تكوين مؤسسات الضمان الاجتماعي وإدارتها في العالم
1. نماذج الحوكمة
هناك ثلاثة نماذج رئيسية لإدارة مؤسسات الضمان الاجتماعي:
أ- النموذج الحكومي
حيث تدير الدولة صندوق الضمان بالكامل، على غرار ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
ب- النموذج الثلاثي
وهو الأكثر انتشاراً في أوروبا، حيث يتكون مجلس الإدارة من: الحكومة، والعمال، وأصحاب العمل، بنسب متساوية أو شبه متساوية. وهو النموذج الذي كان معمولاً به حتى اللحظة في الأردن، قبل أن يتعرض لاختلال كبير بموجب مشروع القانون المعدل.
ج- النموذج المختلط
حيث يضم مجلس الإدارة خبراء ماليين، وممثلين اجتماعيين، وممثلين حكوميين. وهو النموذج الذي انتقل إليه مشروع القانون المعدل، لكن من دون الالتزام بمعادلة التمثيل الثلاثي، أو حتى الحفاظ على توازن مقبول بين الخبراء وممثلي المجتمع وممثلي الحكومة.
2.كيفية تعيين مجلس الإدارة
في أغلب الدول، يُعيَّن ممثلو الحكومة من قبل رئيس الوزراء، أو وزير العمل، أو مجلس الوزراء.
أما ممثلو العمال، فترشحهم النقابات العمالية، وربما بعض النقابات المهنية.
وأما ممثلو أصحاب العمل، فترشحهم اتحادات الصناعة والتجارة، وبعض النقابات المهنية، بحكم دورها وموقعها وما إذا كانت تمثل العمال أم أصحاب العمل.
3.الجهات التي تراقب الضمان الاجتماعي
في كل دول العالم، وحفاظاً على أموال الضمان، توجد رقابة متعددة المستويات تتكون من:
1.البرلمان: عبر لجان العمل، ولجان المالية والاقتصاد، وأحياناً اللجان القانونية.
2.هيئات الرقابة المالية: مثل ديوان المحاسبة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وما يماثلها من هيئات رقابة مالية.
3.الجهات الاكتوارية: حيث تقوم بتقييم الاستدامة المالية والمخاطر المستقبلية.
4.القضاء: حيث يمكن الطعن بقرارات مؤسسة الضمان وأي من صناديقها أمام المحاكم.
5.الرقابة المجتمعية: عبر النقابات، وجمعيات ومؤسسات المتقاعدين، والإعلام.
وفي ألمانيا، على سبيل المثال، وهي دولة تطبق الديمقراطية الاجتماعية بصورة ناجحة منذ عقود، فإن مجلس إدارة الضمان يتكون من ممثلي العمال وممثلي أصحاب العمل بالتساوي، بينما يقتصر دور الحكومة على الإشراف فقط.
وفي السويد، وهي نموذج ناجح آخر لدولة الرفاه الاجتماعي والديمقراطية الاجتماعية، فإن الإصلاح الكبير لقانون الضمان الاجتماعي سنة 1998 جاء بعد عشر سنوات من الحوار الوطني المستفيض والمتواصل، وتشكيل لجنة خبراء مستقلة، وتوافق حزبي واسع.
وفي كندا، وهي أيضاً دولة رفاه اجتماعي تميل إلى نموذج الليبرالية الاجتماعية، فإن إصلاح نظام التقاعد سنة 1997 تم عبر مشاورات عامة في جميع المقاطعات، واستفتاءات اجتماعية، واتفاق بين الحكومة الفدرالية والمقاطعات.
ثالثاً: مدخل منهجي: ما الذي تغيّر فعلاً في مشروع القانون المعدل؟
أشرنا في المقدمة إلى أن أي قانون للضمان الاجتماعي يقوم على ثلاث ركائز لا يجوز العبث بتوازنها:
1.الحماية الاجتماعية (Social Protection): ضمان دخل كريم عند الشيخوخة أو العجز أو الوفاة أو التعطل.
2.العدالة التأمينية (Contribution–Benefit Fairness): فمن يدفع أكثر ولمدة أطول لا يجوز أن تُنتقص منافعُه بآليات ملتوية أو مجحفة.
3.الاستدامة المالية (Sustainability): وهي تُعالج عبر الاستثمار الرشيد، وتوسيع القاعدة التمويلية، وتقاسم المخاطر، لا عبر قصّ المنافع على الناس.
إن مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدل لسنة 2026 لم يتعامل مع الاستدامة من بابها الطبيعي، أي من باب الحوكمة والاستثمار والالتزامات التاريخية، بل أعاد هندسة شروط الاستحقاق بحيث أصبح الحل المالي المطروح هو:
رفع سن التقاعد، وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة، وتقليص الأجر المحتسب، وتشديد شروط التقاعد المبكر مع تقليص منافعه، وخفض الرواتب التقاعدية من خلال تغيير معامل المنفعة، ووضع سقف أعلى لزيادة الرواتب خلال السنوات الأخيرة التي تسبق التقاعد، رغم أن المشترك يدفع الاشتراكات عن كامل راتبه.
ومحصلة ذلك كلها أن المؤمن عليه يدفع أكثر، ويعمل سنوات أطول، ليحصل في النهاية على راتب تقاعدي أقل مما كان يمكن أن يحصل عليه لو تقاعد اليوم. علماً بأنه بعد عشرين أو ثلاثين عاماً من الآن ستكون معدلات التضخم وغلاء المعيشة قد تضاعفت أضعافاً مضاعفة، وسيغدو راتب اليوم، بحسابات الغد، غير كافٍ لتأمين أي حماية اجتماعية حقيقية.
إن مشروع القانون المعدل يضرب أهم ركيزتين، وهما الحماية الاجتماعية والعدالة التأمينية، ولا يقدم حلولاً حقيقية للركيزة الثالثة، وهي الاستدامة المالية، في ظل عجزه عن وضع ضوابط وسقوف مالية أو نسب مئوية لاقتراض الحكومة من الضمان، وعجزه عن النص صراحة على ضرورة تنويع استثمارات الضمان، وألا تقل عوائدها عن 9% إلى 12% بحسب ما توصي به الدراسات الاكتوارية، وعجزه كذلك عن معالجة المشكلة الأهم، وهي إلحاق فئات من القطاع العام، كالعسكريين، بالضمان، رغم أن عدد الاشتراكات التي يدفعونها أقل من نظرائهم المدنيين، وعدد سنوات عملهم أقل، ويتقاعدون في أعمار أبكر بكثير من المدنيين، الأمر الذي يعني أن الإنفاق عليهم من خلال الرواتب التقاعدية التي يصرفها الضمان يمتد لسنوات أطول بكثير، وبما يفوق ما يتحمله النظام.
وهذه الإشكالية تحديداً هي من أهم أسباب الخطورة التي تهدد صندوق التأمينات بالوصول إلى نقطة التعادل التي حذرت منها الدراسات الاكتوارية. وكان الأجدى والأولى بالقانون الجديد أن يجعل للعسكريين حساباً اكتوارياً مستقلاً عن حساب المدنيين، نظراً لتفاوت الشروط التأمينية والمنافع التأمينية بين الطرفين، أو أن تتمتع الحكومة بالجرأة المطلوبة لإعادة إحياء صندوق التقاعد العسكري وتتولى مسؤوليته كما كانت تفعل في السابق.
ومع ذلك، فإن جميع العاملين في وطننا، مدنيين وعسكريين، يستحقون حياة كريمة ورواتب تقاعدية توفر لهم مستوى معيشة لائقاً بعد أن قدموا لوطنهم وخدموه في سنوات الشباب. ودور الضمان وصناديق التقاعد، في أي مكان في العالم، هو أن تؤمن لهم ذلك.
وهذا كله يعني تحولاً من قانون حماية إلى قانون ضبط مالي، كما يعني استمرار العجز عن معالجة المشكلات الجوهرية، والهروب منها إلى فرض تعديلات قاسية تفتقر إلى العدالة التأمينية، وتلقي بأعبائها على الطرف الأضعف، وهم المشتركون من المدنيين، من خلال زيادة عدد الاشتراكات، وإطالة سنوات العمل، وخفض المنافع التأمينية والرواتب التقاعدية.
وهذا كله لن يحل المشكلة؛ إذ لا يجوز إخضاع فئتين مختلفتين في شروط العمل والتقاعد لحساب اكتواري واحد، لأن الخلل سيبقى قائماً، وسيضطر مجلس الضمان إلى العودة لتعديل القانون مجدداً بعد بضع سنوات، بمزيد من الإجحاف والإضرار بشروط الحماية والعدالة التأمينية، ودون إنفاذ حقيقي لشروط الاستدامة المالية.
رابعاً: نقد محور الحوكمة: من مؤسسة ذات توازن إلى مركز قرار تنفيذي
أ) تحويل رئيس المجلس إلى “محافظ” يعيَّن ويُقال بقرار حكومي
إن هذا التعديل الذي طرأ في مشروع القانون الجديد يغيّر طبيعة المؤسسة من هيئة ذات تمثيل وظيفي وتأميني إلى جسم أقرب إلى الإدارة التنفيذية التابعة للحكومة.
والمشكلة هنا ليست في التسمية ذاتها؛ فتسمية “المحافظ” بدلاً من “رئيس مجلس الإدارة” توحي بالثقة، وتوحي بدور مهم، هو الحفاظ على أموال المؤمن عليهم. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في علاقة التعيين والإقالة التي ينفرد بها مجلس الوزراء، بما يعني أن رئاسة القرار التأميني تصبح رهينة للتبدل السياسي أو للحاجة المالية الحكومية.
وعندها يصبح منطق القرارات أقرب إلى:
إدارة تدفقات نقدية قصيرة الأجل،
بدلاً من:
إدارة التزامات طويلة الأجل لملايين الاشتراكات والمؤمن عليهم.
أما الأثر العملي لذلك، فهو زيادة احتمالات توجيه الاستثمار أو السياسات التأمينية بما يخدم ضغطاً مالياً حكومياً، لا بما يخدم حق المؤمن عليه.
وكان الأجدى بمشروع القانون المعدل أن ينص على آلية شفافة لتعيين كل من المحافظ ونائبيه لشؤون التأمينات وشؤون الاستثمار، أي المدير العام ومدير صندوق الاستثمار حسب المسميات الواردة في القانون النافذ، وذلك على الوجه الآتي:
أولاً: تشكيل لجنة مشتركة تضم ثلاثة أعضاء من لجنة العمل النيابية، وثلاثة أعضاء من لجنة العمل في مجلس الأعيان بصفاتهم، وممثلاً واحداً عن وزارة العمل، وممثلاً واحداً عن وزارة التنمية الاجتماعية، وممثلاً واحداً عن البنك المركزي، وممثلاً واحداً عن القوات المسلحة، وممثلاً واحداً عن وزارة المالية، وممثلاً واحداً عن وزارة الاستثمار، وثلاثة ممثلين عن النقابات المهنية والعمالية، وممثلين عن غرف الصناعة والتجارة، وممثلاً واحداً عن اتحاد المزارعين.
وتكون مهمة هذه اللجنة الإعلان عن الشواغر، ووضع الشروط والمؤهلات المطلوبة لهذه المواقع الثلاثة الخطيرة، وتنقيح السير الذاتية للمتقدمين، وإجراء المقابلات الشخصية والامتحانات المطلوبة، ثم اتخاذ القرار بناء على نظام يصدره مجلس الوزراء لهذه الغاية، يضع مجلس الأمة ركائزه الرئيسة في القانون، ويجري الالتزام به مراعاة لقواعد الشفافية والعدالة والحوكمة.
ثانياً: الإعلان عن الشواغر وشروطها والمؤهلات المطلوبة فيها عبر الصحف اليومية، والمواقع الإلكترونية، ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، وفتح المجال لتقدم جميع المؤهلين من الأردنيين والأردنيات، من داخل الأردن وخارجه.
ثالثاً: الإعلان عن نتائج العملية كاملة من بدايتها إلى نهايتها، ونشر جدول المفاضلة بين المتقدمين عبر وسائل الإعلام، وإتاحته لمجلس الأمة للاطلاع عليه قبل اتخاذ قرار التعيين.
رابعاً: يُعيَّن المحافظ ونائباه لشؤون التأمينات وشؤون الاستثمار بتنسيب من هذه اللجنة، وبإرادة ملكية سامية، لمدة خمس سنوات غير قابلة للتجديد، وغير قابلة للعزل إلا في حالات معينة يحددها القانون، منها: ثبوت الفشل في تحقيق الإنجازات المطلوبة، أو ثبوت العجز العقلي أو الجسدي عن القيام بالمهام، أو القبض على أي منهم متلبساً بجناية، أو صدور حكم قضائي قطعي بجريمة مخلة بالشرف والأمانة. ويكون هذا العزل بتنسيب من اللجنة ذاتها التي نسبت بتعيينهم، وبإرادة ملكية سامية.
ب) إضعاف التوازن الثلاثي (عمال – أصحاب عمل – حكومة)
إن التوازن الثلاثي ليس رفاهية شكلية، بل هو صمام أمان ضد انحراف الصندوق عن غايته الأصلية.
فإذا تحول ممثلو العمال وأصحاب العمل إلى أقلية أمام “خبراء” تعينهم الحكومة، فحتى لو كانوا خبراء أكفياء، فإن مصدر شرعيتهم يصبح قرار التعيين، لا صفة التمويل والتمثيل.
ومتى ضعفت صفة التمثيل، ضعفت المحاسبة؛ لأن صاحب المال الحقيقي، أي المؤمن عليه، لم يعد له وزن مؤثر في القرار.
ج) تقليص التقارير الرقابية
إن الرقابة ليست مجرد عدد تقارير، بل هي نوعية معلومات وتواتر رقابي.
فالتقارير الربعية المفصلة التي تقدم لمجلس الوزراء ومجلس الامة والتي نص عليها القانون النافذ تتيح كشفاً مبكراً لأي:
تركز استثماري خطير،
تضخم في المكافآت والنفقات،
انحراف في السيولة،
مخاطرة ائتمانية، ولا سيما تجاه إقراض الحكومة.
أما الاكتفاء بتقرير نصف سنوي عام (وهو ما نص عليه مشروع القانون المعدل ) ، فيعني عملياً:
زيادة زمن العتمة، وتقليل قدرة البرلمان والرأي العام على التدخل المبكر.
كما أن حذف التفاصيل التي تقدم في هذه التقارير المرفوعة الى مجلس الوزراء ومجلس الأمة والتي نصت عليها المادة (11/ ي) من القانون النافذ مثل: البيانات والحسابات المالية ، والنتائج الأساسية المتعلقة بأداء الاستثمارات، ومدى تطابق أداء مديري المحافظ الاستثمارية مع القيم المستهدفة في الخطة العامة للاستثمار، وبيان سياسة الاستثمارات للمرحلة القادمة، وتقرير المدقق الخارجي بشأن المركز المالي للمؤسسة، والتقارير الربعية لكل من لجنة المراقبة ومجلس الاستثمار، والسياسات الاستثمارية والمعايير والإجراءات، وتحليل ومطابقة كل من الموجودات والمطلوبات، واقرارات المجلس بأن جميع الاستمثارات التي تمت خلال الفترة السابقة تتفق مع سياسة الاستثمار والمعايير والإجراءات وفقا للقانون والأنظمة والقراراتن والتعليمات وتبين اي خلل حال وروده.
والاكتفاء بجملة مطاطة في المادة 12 / ج/ 2 من مشروع القانون المعدل هي : " رفع تقارير نصف سنوية لمجلس الوزراء ومجلسي الاعيان والنواب للاطلاع على نتائج أعمال المؤسسة التأمينية والاستثمارية"
يعني أنه لن يكون بمقدور مجلس الوزراء او مجلس الأمة الاطلاع على كل التفاصيل التي كان منصوصا عليها في الفقرة (ي) من المادة (11) من القانون النافذ، لأن مشروع القانون المعدل حرمهم من ذلك، وهو ما يحول الامر الى رقابة سطحية دون اي تأثير او فاعلية، ويخل بقواعد الحاكمية الرشيدة التي يدعي مشروع القانون أنه جاء لتمكينها وتمتينها!!
د) فتح سقف المكافآت بلا حد أعلى وتوسيع التفويض بلا ضوابط
في القانون النافذ كان سقف المكافآت لكل من أعضاء مجلس الضمان ومجلس التأمينات والاستثمار وامناء السر وغيرهم محددا بخمسمائة دينار كحد أعلى، أما في مشروع القانون المعدل، فقد ألغي هذا السقف، وباتت المكافآت مفتوحة على مصراعيها دون سقف.
وهذا باب مزدوج الخطر:
خطر مالي مباشر يتمثل في نفقات إدارية متنامية على حساب أموال المؤمن عليهم؛
وخطر حوكمي يتمثل في تفويض واسع يسمح بقرارات تمس الحقوق دون رقابة تشريعية حقيقية.
والرسالة السياسية التي تصل للناس هنا واضحة وخطيرة:
نشدّد على العامل والمتقاعد، ونفتح على الإدارة باب المكافآت بلا سقف!
هـ) فتح باب التبرعات من أموال المؤمن عليهم على مصراعيه:
القانون النافذ لا يسمح بإنفاق اي دينار من أموال الضمان دون نص تشريعي واضح، أما مشروع القانون المعدل فقد نص على إمكانية منح تبرع سنوي لنقابات العمال من أموال الضمان بقيمة لا تتجاوز المائة الف دينار، وإمكانية صرف ما نسبته 1% من أموال الضمان على دورات تدريبية تجرى لصالح مؤسسات اصحاب العمل لرفع مستويات الوعي حول السلامة المهنية.
هذا التعديل قد يفهم بأنه محاولة للتأثير في إرادة العمال وأصحاب العمل، وكما أن الأحزاب السياسية لا يسمح لها بالتبرع بأي دينار من أموالها لاي جهة كانت، فإن الضمان الاجتماعي أولى بتطبيق هذه القاعدة، فالمشتركون لا يدفعون اشتراكاتهم كي يتم التبرع بها لأي جهة كانت، بل إنهم يدفعونها لتأمين أمومتهم وشيخوختهم وعجزهم ووفاتهم وبطالتهم وإصاباتهم!!
خامساً: نقد محور المنافع: التخفيض الفعلي المقنّع تحت عنوان “الإصلاح”
أ) رفع سن التقاعد إلى 65 للذكور و60 للإناث
قد تبدو هذه النقطة “منطقية” على الورق إذا كان سوق العمل مستقراً. لكن الواقع الأردني مختلف تماماً، فهو يتسم بـ:
بطالة مرتفعة،
هشاشة في القطاع الخاص،
صعوبة إعادة التوظيف بعد سن الخمسين،
خروج قسري لكثير من العمال من سوق العمل.
والنتيجة الاجتماعية المتوقعة هنا هي نشوء فجوة حماية عمرية بين الخامسة والخمسين والخامسة والستين، يصبح فيها الإنسان:
بلا عمل ثابت،
وبلا تقاعد مستحق،
وتحت ضغط معيشي قاسٍ،
وفي دائرة فقر آخذة في الاتساع.
إن هذا التشريع يتجاهل سؤالاً بسيطاً وحاسماً:
هل يملك العامل في الأردن حقاً واقعياً في الاستمرار في العمل حتى هذه السن؟
ب) رفع الاشتراكات المطلوبة من 180 إلى 240 للشيخوخة
هذه الزيادة ليست محايدة، لأنها تعاقب الفئات التي تعاني بطبيعتها من:
انقطاعات في العمل، مثل النساء، والعمال الموسميين، وعمال القطاع الخاص غير المستقر؛
بطالة دورية؛
انتقالات متكررة بين القطاعات.
وعملياً، فإنك هنا لا ترفع رقماً فقط، بل ترفع عتبة الوصول إلى التقاعد، بحيث يسقط كثيرون في منتصف الطريق.
ج) قيد 80% على متوسط الأجر المحتسب
هذه من أخطر نقاط العدالة التأمينية في المشروع.
فإذا كانت الاشتراكات تُقتطع عن كامل الأجر، ثم يُحتسب التقاعد على 80% من هذا الأجر، فالمعادلة تقول للمؤمن عليه بوضوح:
ادفع على 100%، وخذ منفعة على 80%
وهذه ليست مجرد تقنية اكتوارية، بل هي كسر مباشر للتناسب بين الالتزام والمنفعة، وسبب قوي لاهتزاز الثقة بالنظام.
د) تخفيض معامل المنفعة عملياً بعد السنوات الأولى
حتى لو بقي معامل المنفعة “رقمياً” كما هو، فإن الجمع بين:
فع سن التقاعد،
وقيد 80%،
وزيادة الاشتراكات المطلوبة،
يجعل المحصلة النهائية أقل بكثير.
وهذا ما عبّرنا عنه بالأثر الرقمي: انخفاض قد يصل إلى 100–150 ديناراً شهرياً، وخسارة تراكمية قد تبلغ 15–30 ألف دينار.
وهنا يقع جوهر الاعتراض:
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقطع المنفعة، بل بتصحيح الإدارة والاستثمار.
هـ) رفع اشتراكات التقاعد المبكر إلى 360 اشتراكا
هذه نقطة يمكن وصفها بدقة بأنها تحويل التقاعد المبكر إلى عقوبة.
فالتقاعد المبكر في الأردن ليس رفاهية عند كثير من الناس، بل هو في حالات واسعة:
خروج قسري،
و إنهاء خدمات،
أو نتيجة لطبيعة مهنة شاقة.
وعندما تشترط 360 اشتراكاً، ثم تزيد نسب الخصم تصاعديا بناءا على سن المتقاعد عند تقاعده، فإنك تقول لهذه الفئات:
إما أن تبقوا بلا دخل، أو أن تقبلوا بتقاعدٍ معاقَب ومجتزأ.
سادساً: نقد محور التقاعد المبكر والجداول الجديدة (8 و9): من تنظيم إلى ردع
إن استبدال الجداول (3 و7) بالجداول (8 و9)، وفق ما يتضح من المشروع، يتضمن:
زيادة نسب الخصم،
طالة فترة الخصم،
رفع نقطة الصفر أو التعادل،
تقليل الجدوى الاقتصادية للتقاعد المبكر.
والقراءة النقدية لذلك تقول إن التقاعد المبكر، في فلسفة الضمان الاجتماعي، هو أداة توازن اجتماعي لفئات لا تستطيع الاستمرار حتى سن الشيخوخة، وليس “مخالفة” تُعاقَب.
فإذا صار التقاعد المبكر مكلفاً إلى درجة الردع، فإن نتيجتين ستقعان معاً:
1.اجتماعياً: اتساع فجوة الحماية بالنسبة لمن يخرجون من سوق العمل قسراً.
2.مالياً واقتصادياً: انتقال العبء إلى الأسرة، أو الجمعيات، أو المديونية، بدلاً من أن يبقى داخل منظومة تأمين اجتماعي منظمة وعادلة.
سابعاً: نقد دمج العسكريين ضمن حساب مالي واحد: الخلل الاكتواري البنيوي لا يُحل بتحميل المدنيين الكلفة
هذا الخلل في القانون مستمر منذ أكثر من عقدين، وقد بدأت آثاره تظهر الآن في الدراسات الاكتوارية الأخيرة. ويمكن توصيفه باختصار على النحو الآتي:
العسكري يخدم مدة أقصر، ويخرج في عمر أصغر، ويتقاضى راتباً تقاعدياً لمدة أطول، وعدد اشتراكاته أقل، ونسبة الاستبدال غالباً أعلى.
لماذا كان قرار الدمج خطيراً؟
لأن المخاطر هنا ليست المخاطر ذاتها:
فمخاطر الشيخوخة المدنية تُدار بمنطق عمر عمل أطول؛
أما المخاطر العسكرية فتُدار بمنطق خروج مبكر ومنافع أطول.
وعندما تدمج حسابين ماليين مختلفين في شروطهما وكلفتهما من دون تسعير اكتواري مستقل، فإنك تنتج تحويلاً مالياً ضمنياً بين الفئات.
ونرجو أن لا يفهم من هذا الامر أننا ننتقص من حق العسكريين أو مكانتهم أو حقهم في الحماية التقاعدية، بل إننا نشير الى خلل هندسي اكتواري مالي صرف:
فمؤسسة الضمان تقليديا وضعت نظامين مختلفين بخصائص مختلفة في وعاء واحد، ثم تفاجأت بالعجز.
والحل الذي نقدمه هنا واضح:
إما إنشاء حساب مالي اكتواري مستقل للعسكريين داخل صندوق التأمينات في مؤسسة الضمان الاجتماعي؛
أو إعادة العسكريين الى صندوق التقاعد العسكري المستقل كما كان في السابق.
وهذا الحل، في الحقيقة، يُكرم العسكريين أكثر، ويقدر الظروف التي يخدمون فيها أكثر، ويمكن ان يمنحهم مزايا تأمينية اوسع، لأنه يمنحهم نظاماً مفصلاً على طبيعة خدمتهم، تدعمه الدولة من الموازنة العامة، وهذا واجبها، بدلاً من أن يبقى موضوعهم يُطرح بوصفه “عبئاً” داخل صندوق مدني.
ثامناً: نقد محور التفويض التشريعي: إفراغ القانون من ضماناته
إن كثرة الإحالات في المشروع إلى:
أنظمة،
تعليمات،
قرارات مجلس،
تعني أن الحقوق الأساسية للمؤمن عليهم قد تصبح قابلة للتعديل إدارياً دون المرور بالبرلمان.
وهنا يكمن جوهر الاعتراض:
فالضمان الاجتماعي ليس خدمة اختيارية، بل هو اقتطاع إلزامي من الأجر، وبالتالي لا يجوز أن تُنظَّم جوهرياته بتعليمات مرنة أو متغيرة.
والمعيار هنا واضح:
كل ما يمس:
شروط الاستحقاق،
معادلات الاحتساب،
نسب الخصم،
حدود الاستثمار عالي المخاطر،
يجب أن يبقى في القانون نفسه، لا في الأنظمة والتعليمات لأنه يتعلق بمراكز قانونية، وتحديد هذه المراكز او تعديلها أو استحداثها أو إلغاؤها هو صلاحية دستورية للبرلمان وحده.
تاسعاً: نقد محور “العبث بأموال المؤمن عليهم”: توسع في الإنفاق لا علاقة له بالمنفعة التأمينية
لقد وردت في المشروع أمثلة واضحة على مسارات إنفاق تثير القلق، من قبيل:
مكافآت بلا سقف،
برامج خارج نطاق التأمين المباشر،
تبرعات سنوية،
اشتراكات إضافية لدورات السلامة.
والقراءة النقدية لهذا الأمر تؤكد أن الضمان الاجتماعي ليس صندوق دعم حكومي، ولا محفظة إنفاق اجتماعي عام، بل هو صندوق منفعة تأمينية محددة.
إن توسيع مصارف الإنفاق من دون ربط مباشر بالمنفعة التأمينية يفتح بابين خطيرين:
باب فساد أو هدر محتمل،
وباب تسييل سياسي للأموال.
عاشراً: جذور الأزمة: لماذا يتجاهلها المشروع؟
إن لبّ المشكلة التي يعاني منها الضمان الاجتماعي اليوم يتمثل في الآتي:
1.السحوبات الحكومية الهائلة عبر القروض والسندات وأذونات الخزينة، بما يحرم الصندوق من السيولة ويخفض العوائد.
2.الاستثمارات الخاطئة، كشراء أراضٍ بأسعار مبالغ بها، أو الدخول في مشاريع حكومية فاشلة.
3.تركز الاستثمارات في قطاعات محددة، وعلى رأسها الدين الحكومي بفوائد متدنية، وضعف العائد على الاستثمار.
4.التوسع الحكومي الكبير في إحالة موظفي القطاع العام إلى التقاعد المبكر، بما يقارب 50 ألف حالة خلال عقد واحد، وهو ما نقل العبء من الموازنة العامة إلى صندوق الضمان.
5.غياب سقوف عادلة للرواتب التقاعدية قبل تعديلات القانون عام 2014، ووجود رواتب بعشرات الآلاف، بما حمّل الضمان عشرات الملايين لصالح عدد محدود جداً من الأفراد، وهو ما يستوجب المعالجة، حتى وإن اضطررنا إلى استعمال فكرة الأثر الرجعي.
والنقد الجوهري هنا هو أن المشروع يعالج النتيجة، أي العجز المالي والضغط على الصندوق، من خلال تخفيض المنافع، لكنه لا يعالج السبب، أي ضعف الحوكمة، وضعف عوائد الاستثمار، وتركيز الاستثمارات في ديون الحكومة، والقرارات التاريخية الخاطئة، ومنها الاستثمارات الفاشلة التي كانت بتأثير من الحكومة أيضاً.
وهذا يعني أن الأزمة قد تعود بعد سنوات، لأن الجذر بقي كما هو.
أحد عشر: الأثر على النساء: تشريع محايد ظاهرياً، ظالم عملياً
إن رفع الاشتراكات المطلوبة وتشديد الشروط يؤثران على النساء أكثر من غيرهن، لأن سوق العمل بالنسبة للنساء غالباً ما يتضمن:
قطاعات بسبب الأمومة والرعاية،
وخروجاً وعودة إلى السوق، وبالتالي عملاً غير منتظم.
فإذا لم يضع القانون مسارات أو معالجات تراعي هذه الخصوصية، فإن النتيجة ستكون:
حرمان آلاف النساء من استكمال شروط التقاعد،أو دفعهن إلى اشتراكات طويلة بلا ضمان منفعة عادلة. فالعدالة لا تعني معاملة الجميع نصاً بالطريقة نفسها، بل تعني معاملة الجميع نتيجةً بطريقة عادلة.
ثاني عشر: أثر رفع سن التقاعد على بطالة الشباب: تعارض السياسات العامة
إن تمديد الخدمة يبطئ دوران الوظائف، خصوصاً في القطاع العام وشبه العام.
وهذا يعني:
فرصاً أقل للشباب،
وبطالة أطول،
وضغطاً اجتماعياً أشد.
وأي إصلاح تقاعدي لا يُربط بسوق العمل، هو إصلاح أعمى اقتصادياً.
ثالث عشر: الانعكاسات الاقتصادية الكلية: تقليص المنافع = تقليص الطلب المحلي
إن خفض المنافع أو تأخيرها يضرب القوة الشرائية للطبقة المتوسطة والمتقاعدين.
وينعكس ذلك مباشرة على:
الاستهلاك،
والطلب المحلي،
والنشاط التجاري،
وأحياناً على الاستقرار الاجتماعي نفسه.
فالضمان الاجتماعي ليس مسألة فردية فقط، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار الاقتصادي.
أخيراً: البديل الذي يطرحه حزب العمال هو إصلاح عميق يعالج الأسباب لا الناس
نقترح هنا حزمة إصلاح تشريعي تشكل خارطة طريق بديلة، تقوم على ما يلي:
(1) حماية الحقوق المكتسبة
لا مساس بحق تقاعدي مكتسب أو مستحق وفق القانون النافذ.
أي تعديل جوهري على الاستحقاق أو الاحتساب يجب أن يسري على الداخلين الجدد فقط.
لماذا؟
لأن استقرار قواعد العلاقة بين المؤمن عليهم ومؤسسة الضمان شرط لبقاء الناس في المنظومة. وأي مساس بالمشتركين الحاليين يهز الثقة، وقد يدفع إلى سلوكيات مضادة، من هروب أو تحايل أو ذعر.
(2) حسابات اكتوارية منفصلة
حساب مدني مستقل.
حساب عسكري مستقل.
حساب لأي فئة ذات نظام خاص.
منع التمويل التبادلي إلا بنص تشريعي صريح مع كشف حجمه.
لماذا؟
لأن دمج المخاطر غير المتجانسة يولد عجزاً مخفياً، ثم يتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية.
(3) مساهمة الدولة في الالتزامات التاريخية
تتحمل الدولة آثار قراراتها السابقة المثبتة اكتوارياً.
إصدار سندات طويلة الأجل لصالح الضمان لتغطية الفجوة التاريخية.
جدولتها على 20–30 سنة.
لماذا؟
لأن العدالة تقتضي أن يتحمل القرار العام كلفته، لا أن تُخصم من تقاعد العامل.
(4) تحسين إدارة الاستثمار بدل قصّ المنافع
فصل إدارة الاستثمار عن الإدارة التنفيذية عبر مجلس استثماري مستقل.
وضع قواعد واضحة: تنويع المحافظ، وسقف للمخاطر، وتقارير ربع سنوية منشورة، وتدقيق دولي سنوي.
تحديد سقف أعلى للاستثمار في السندات الحكومية وإقراض الغير، حمايةً للأموال من التغول.
لماذا؟
لأن العائد الاستثماري أحد أهم مفاتيح الاستدامة. فإذا بقي ضعيفاً أو مسيّساً، ستعود الأزمة مهما شددت شروط التقاعد.
(5) توسيع قاعدة المشتركين بدل تشديد الشروط
دمج الاقتصاد غير المنظم تدريجياً.
تحفيز الانتساب الاختياري بإعفاءات مرحلية.
ربط بعض الخدمات بإثبات الاشتراك.
لماذا؟
لأن زيادة الإيرادات عبر توسيع القاعدة أكثر عدلاً من تقليص منافع القاعدة القائمة.
مع الإشارة إلى أن إشراك خدم المنازل الأجانب في الضمان، كما اقترح المشروع المعدل، مسألة غير موفقة بتاتاً؛ فهي ترفع الكلفة على الأسر الأردنية في فترة اقتصادية حرجة للغاية، ولا يستفيد منها العامل لأنه لا يسترد ما اقتُطع من راتبه عند مغادرته البلد، فتتحول المسألة إلى جباية بلا منفعة تأمينية، وهو أمر غير دستوري وغير قانوني، ويخالف فلسفة الضمان ذاتها.
(6) آلية تصحيح تلقائي عادلة
عند ظهور عجز مستقبلي:
تساهم الدولة أولاً،
ثم أصحاب العمل،
ثم المؤمن عليهم في حدود دنيا،
من دون المساس بالمنافع الأساسية.
لماذا؟
لأن توزيع المخاطر هو جوهر التأمين، وتحميل طرف واحد كل الكلفة يهدم الثقة بالنظام.
(7) نشر الدراسات الاكتوارية
نشر كامل كل سنتين.
مناقشتها في جلسة علنية.
إصدار ملخص مبسط للرأي العام.
لماذا؟
لأن الثقة تُبنى على المعلومة، لا على التطمينات.
(8) مسار خاص للمهن الشاقة
مسار تمويلي خاص بزيادة طفيفة على القطاعات المعنية.
تقاعد مبكر من دون عقوبات قاسية.
لماذا؟
لأن “المساواة الصورية” هنا ظلم، فالمهنة الشاقة ليست كالمكتب.
(9) تحرير الاستثمار المنتج ضمن ضوابط
كان الأجدر أن ينص القانون المعدل على إعطاء الأولوية لمؤسسة الضمان الاجتماعي في التقدم لأي مشاريع أو عطاءات أو حقوق امتياز تتضمن استثمارات ناجحة، سواء بشكل مستقل أو عبر شراكات مع القطاع الخاص أو الحكومي.
وكان الأجدر أيضاً أن ينص القانون صراحة على حق الضمان الاجتماعي في إنشاء بنك، وحقه في الاستثمار في قطاع الاتصالات، وهو قطاع مربح للغاية، وفي قطاعات الطاقة والتعدين، بدلاً من تقديمها هدية للقطاع الخاص الأجنبي.
وكان الأجدر كذلك أن ينص القانون على أن يستثمر الضمان أمواله في شراء أسهم محلية ودولية ناجحة، وأن يضع ضمانات حقيقية تخلصه من سيف الحكومة وتوجيهاتها التي أضرت كثيراً باستثمارات الضمان منذ نشأته وحتى اللحظة. وما علينا إلا أن نراجع تلك الاستثمارات لنكتشف الخلل البين فيها وأسبابه.
إن هذا كله لم يعالجه القانون المعدل، واليد الوحيدة التي امتدت إليها التعديلات هي جيوب العاملين من المدنيين، الذين باتوا عاجزين عن توفير لقمة العيش والحد الأدنى من الحياة الكريمة بالشروط الحالية، فكيف سيكون الحال مع الشروط الجديدة؟
إن قانون الضمان بحاجة إلى النص صراحة على توسيع وتنويع أدوات الاستثمار، ولكن بشروط صارمة، منها:
سقوف تمنع تركز الاستثمارات، حتى لا نكرر سيناريو الأراضي أو المشاريع الخاسرة.
حوكمة مستقلة تمنع الاستثمار السياسي لأموال المؤمن عليهم، والتي ليست أموالاً للحكومة بأي حال من الأحوال، بل هي أموال العمال.
رقابة نيابية فعالة تتعامل مع المعطيات أولاً بأول، وتبقى ربع سنوية وبكافة التفاصيل التي نص عليها القانون الحالي، لا مشروع القانون المعدل.
وهذا يتطلب النص صراحة على أن رئيس مجلس إدارة الضمان، أي المحافظ، ونائبيه لشؤون التأمينات والاستثمار، يخضعون جميعاً لرقابة ومساءلة مجلس الأمة، وأن لكل من المجلسين حق استجوابهم وطرح الثقة فيهم، تماماً كما هو الشأن بالنسبة للوزراء.
خلاصة نقدية سياسية – قانونية
إن مشكلة مشروع 2026 ليست في بند واحد، بل في اتجاه كامل يقوم على:
تقوية يد السلطة التنفيذية،
إضعاف تمثيل العمال وأصحاب العمل والرقابة البرلمانية،
التشديد على المؤمن عليه والمتقاعد،
ضرب العدالة التأمينية وإضعاف الحماية الاجتماعية،
وعدم ضمان الاستدامة المالية، لأنه يتفادى مواجهة جذور الأزمة الحقيقية، وهي:
ديون الحكومة، وضعف الاستثمار، والقرارات التاريخية الخاطئة، والدمج غير المتجانس بين فئتي المدنيين والعسكريين.
وبالتالي، فإننا في حزب العمال لا نرفض الإصلاح، بل نرفض إصلاحاً يبدأ من جيوب الناس، وينتهي بتقوية المركز التنفيذي، من دون أي ضمانات حقيقية للاستدامة، وفي غياب شبه تام لأي رقابة فعالة تتدارك الخطأ قبل وقوعه وتحاسب عليه حين يقع.
وهو ما يضع أموال المؤمن عليهم في مهب الرياح، ويهدد بكارثة كبرى مستقبلية إذا ما أُقرت هذه التعديلات على الوجه الذي أرسلته به الحكومة إلى مجلس الأمة.
إن مسؤولية إصلاح الضمان مسؤولية مشتركة، لا ينبغي أن تميل الكفة فيها لصالح جهة واحدة، وتغيب عنها بقية الجهات.
ومن هنا، فإننا في حزب العمال نطالب بسحب مشروع القانون المعدل من مجلس الأمة، وفتح حوار وطني شامل حوله، وفق الآليات التي أشرنا إليها هنا، وضمن زمن كافٍ يضمن مشاركة الجميع.
ولنعتبر أن هذا المشروع هو الورقة الخضراء التي تُجرى مناقشتها من قبل ممثلي المجتمع، قبل صدور الورقة البيضاء التي تقر السياسة النهائية المعتمدة، ثم تُحال بعد ذلك إلى مجلس الأمة لتسير في مسارها الدستوري السليم.