"مجلس السلام": ترامب وهندسة النظام الدولي
د. عامر السبايلة
26-01-2026 10:39 AM
اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصة دافوس ليعلن عن تأسيس «مجلس السلام العالمي»، في خطوة جعلت المجلس، وشكله وطبيعة عمله، موضع نقاش عالمي واسع. وتُطرح اليوم أسئلة كثيرة حول دوافع إنشاء المجلس وتوقيت إشهاره ودوره المتوقع، خصوصًا أنه قدّم نفسه إطارًا لحل النزاعات يبدأ من غزة، بدون أن يقتصر على ساحة صراع واحدة.
صحيح أن ربط هذا المجلس بشخص ترامب يبدو طبيعيًا بهذه المرحلة، إلا أن ثمة عناصر تستدعي التوقف عندها، أبرزها التوقيت، والشكل، والأسلوب، ومحاولة منح المجلس بعدًا دوليًا عبر إشراك ممثلين عن عدد واسع من القادة، بما في ذلك دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. التوجه يعكس سعي ترامب التدريجي لضم القوى الكبرى، ولا سيما الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن، بما يتيح له تقديم المجلس كمنصة بديلة قادرة على إنتاج حلول للصراعات الدولية. وفي هذا السياق، تعود المسألة الأوكرانية للواجهة، حيث يبدو أن ترامب يسعى لإغلاق الملف عبر بوابة مجلس السلام، ليُسجَّل كأحد أبرز إنجازاته السياسية.
إعلان المجلس وبدء التفرد بطرح الحلول، بدءًا من غزة، يفتح نقاشًا أوسع حول منظومة القرار الدولي وشرعيتها وآليات عملها. فطريقة تسويق المجلس على أنه كيان «رشيق» وسريع القرار، متحرر من البيروقراطية الثقيلة، تشكل بجوهرها نقدًا مباشرًا لمنظومة الأمم المتحدة وفاعلية قراراتها وعجزها عن إدارة الأزمات الكبرى.
غير أن النظر إلى الخطوة بمعزل عن سياق أوسع سيكون قاصرًا. فالمجلس يندرج ضمن محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق موازين القوة الحالية، لا وفق الترتيبات التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية. فترامب، الذي انتقد بولايته الأولى المؤسسات الدولية بشكل علني، كان واضحًا في طرحه بأن القرار الدولي يجب أن يتناسب مع حجم التمويل، معتبرًا أن الولايات المتحدة، بصفتها الممول الأكبر، تستحق الدور الحاسم في صنع القرار. وقد تجلّى هذا المنطق أيضًا بانتقاداته العلنية لحلف شمال الأطلسي، وفي حديثه المتكرر عن كلفة الوجود العسكري الأميركي بأوروبا.
الجديد اليوم ليس في نقد النظام الدولي بحد ذاته، بل في الانتقال لطرح بديل عملي يقوم على فرض الحلول بدل التفاوض الطويل. وهذا ما يجعل ترامب، بمرحلة معينة، قادرًا على تقديم هذا النموذج كبديل محتمل للمنظومة الدولية القائمة، بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات الدولية، في مسار يوحي بتأسيس تدريجي لبدائل، لا بانقلاب مفاجئ على النظام القائم.
يبقى السؤال حول مستقبل مجلس السلام العالمي: هل هو مشروع مرتبط بشخص ترامب وولايته، أم إعادة إنتاج لأفكار سابقة كـ«صفقة القرن» و«الاتفاقيات الإبراهيمية»؟ المؤكد أن ترامب يقدّم نفسه اليوم ممثلًا لليمين المحافظ العالمي، ويسعى لربط مراكز القرار الدولية بهذا التوجه. الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بالتعاطي مع سياساته، والتمييز الواضح بين حكومات «مفضّلة» كإيطاليا، وأخرى «مهمّشة» كإسبانيا، يعكسان البعد الأيديولوجي للتحالفات الجديدة.
إعادة رسم المشهد الدولي وفق رؤية ترامب تقوم أيضًا على تحالفات مالية ومنظومة مصالح اقتصادية، تشمل السيطرة على مصادر الطاقة التقليدية والمستقبلية، والممرات الدولية، ومناطق الثروات الجديدة. ومن هنا يمكن فهم اهتمامه المتزايد بالقطب الشمالي، وهو اهتمام لا يمكن فصله عن اللقاء الشهير في ألاسكا، الذي أسّس لرؤية تعاون جديدة بهذه المنطقة الحساسة، حيث توضع التقنية الروسية وكاسحات الثلوج النووية بخدمة الطموحات الاقتصادية الأميركية.
الأهم أن طرح رؤية أحادية للحل في غزة، بصيغة «الريفيرا» بدون تسميتها، يعني عمليًا إخراج مجلس الأمن والمؤسسات الأممية من معادلة الحل، وإسقاط المرجعيات التاريخية لقرارات الأمم المتحدة، حتى وإن كانت غير مطبقة. كما يفتح الباب أمام نموذج يقدّم الحلول الاقتصادية والخدماتية على الحلول السياسية، ما قد يؤدي، في حال نجاحه، لتحول جذري بكيفية إدارة الصراعات الدولية.
باختصار، تأسيس «مجلس السلام العالمي»، سواء نجح أو فشل، بقي أو اختفى، فتح الباب أمام لحظة صدامية بالسياسة الدولية، وجعل العالم أمام مرحلة مفصلية يُعاد فيها رسم خطوط النظام الدولي وآليات صنع القرار العالمي، مع تهميش ما هو قائم وتلميع ما هو قادم.
الغد