ماذا أراد الملك من النواب؟
جهاد المنسي
26-01-2026 11:24 AM
لم يكن لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني بأعضاء المكتب الدائم لمجلس النواب الأسبوع الماضي لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، ولا يمكن قراءته بوصفه محطة تقليدية في العلاقة الدستورية بين رأس الدولة والسلطة التشريعية، بل جاء اللقاء في توقيت سياسي وإقليمي حساس، ليحمل رسائل واضحة، بعضها مباشر قيل في العلن، وبعضها أعمق بين السطور، موجّهة إلى مجلس النواب بوصفه ركيزة أساسية في مشروع الدولة الإصلاحي.
أول ما أراده الملك من النواب هو استعادة الدور الجوهري للبرلمان، حين يؤكد جلالته أهمية تطوير آليات العمل الحزبي وتعزيز ثقة المواطنين، فهو يضع النواب أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات المنتخبة ما زالت قائمة، ولا تُعالج بالشعارات، بل بأداء تشريعي ورقابي ملموس، يلامس هموم الناس اليومية ويترجم الإصلاح السياسي إلى نتائج يشعر بها المواطن.
الحديث عن العمل الحزبي تحديدًا ليس تفصيلاً عابرًا، فجلالة الملك، منذ إطلاق منظومة التحديث السياسي، كان واضحًا بأن الانتقال إلى حكومات برلمانية حزبية لن يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب بيئة تشريعية ناضجة، وأحزابًا فاعلة، ونوابًا يدركون أن دورهم لم يعد خدماتيًا ضيقًا، بل سياسيا وطنيًا بامتياز، من هنا، يمكن فهم رسالة الملك على أنها دعوة صريحة للنواب إلى الخروج من الفردية والانتقال إلى العمل البرامجي المنظم.
ثانيًا، أراد الملك التأكيد على مفهوم التكامل المؤسسي. دعوته إلى استمرار التنسيق بين مجلس النواب والحكومة ومجلس الأعيان، الملك هنا لا يدعو إلى تماهي الأدوار، بل إلى انسجامها، فالتشريع بلا رؤية حكومية واضحة يصبح عبئًا، والرقابة بلا فهم للظرف الاقتصادي والسياسي قد تتحول إلى شعبوية، والعمل التنفيذي دون غطاء تشريعي ورقابي رشيد يظل ناقصًا.
أما في البعد الإقليمي، فإن طرح الأوضاع في الإقليم وجهود المملكة لاستعادة الاستقرار يحمل رسالة ثالثة لا تقل أهمية: المرحلة القادمة تتطلب برلمانًا على مستوى التحديات الوطنية الكبرى، فالأردن محاط بتوترات سياسية وأمنية، وضغوط اقتصادية، واستحقاقات داخلية دقيقة، ما يجعل من مجلس النواب شريكًا أساسيًا في حماية الجبهة الداخلية، لا عامل إرباك أو تصعيد غير محسوب.
وإذا ما أردنا قراءة الرسالة الملكية، فإن النظام الداخلي لمجلس النواب يبرز كأداة حاسمة لا تقل أهمية عن التشريعات نفسها، فالملك، حين شدد على تطوير آليات العمل البرلماني والحزبي، يضع ضمنيًا النظام الداخلي تحت المجهر، باعتباره الإطار الذي ينظم السلوك النيابي، ويحدد كفاءة النقاش، ويضبط إيقاع العمل التشريعي والرقابي، نظام داخلي قوي وعادل يعني لجانًا فاعلة لا شكلية، ونقاشات معمقة لا استعراضية، ومعايير واضحة للمساءلة والحضور والانضباط، بعيدًا عن الفوضى أو الشخصنة، ومن دون مراجعة جادة للنظام الداخلي بما ينسجم مع مرحلة التحديث السياسي والعمل الحزبي، سيبقى الأداء النيابي أسير الاجتهادات الفردية، وهو ما يتناقض مع الرؤية الملكية التي تريد مجلسًا مؤسسيًا منظمًا، قادرًا على إنتاج سياسات عامة لا مجرد مواقف آنية.
في هذا السياق، فإن تأكيد رئيس مجلس النواب مازن القاضي على أن خدمة الأردنيين والأردنيات في صلب العمل البرلماني، يعكس وعيًا رسميًا بحساسية المرحلة، لكنه في الوقت ذاته يضع المجلس أمام اختبار حقيقي: هل ستترجم هذه النوايا إلى تشريعات عادلة، ورقابة جادة، ومواقف مسؤولة، أم ستبقى في إطار التصريحات؟.
خلاصة القول، ما أراده الملك من النواب ليس موقفًا سياسيًا بعينه، بل تحولًا في العقلية البرلمانية: من رد الفعل إلى الفعل، من الفرد إلى المؤسسة، ومن الشعبوية إلى المسؤولية الوطنية، مجلسًا يقرأ اللحظة جيدًا، ويستشرف المستقبل، ويكون شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة، لا مجرد شاهد.
الغد