النظام الصحي في الأردن: المواطن يدفع الثمن
د. رائد قاقيش
15-03-2026 04:12 PM
الحديث الرسمي عن النظام الصحي في الأردن غالبًا ما يأتي بلغة الأرقام ونسب التغطية، لكن التجربة اليومية للمواطن تكشف صورة مختلفة. فالأرقام قد تبدو مطمئنة على الورق، إلا أن الواقع في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية يروي قصة أخرى: اكتظاظ، فترات انتظار طويلة، ونقص متكرر في بعض الأدوية والخدمات الطبية.
تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 72% من الأردنيين مشمولون بنوع من أنواع التأمين الصحي بين التأمين المدني والعسكري والخاص. لكن هذه النسبة لا تعني بالضرورة أن النظام الصحي يعمل بالكفاءة المطلوبة أو أن المواطن يحصل على الرعاية التي يحتاجها في الوقت المناسب.
فالنظام الصحي في الأردن ما يزال يعمل ضمن منظومة متفرقة من مظلات التأمين المختلفة، وهو ما يخلق تفاوتًا واضحًا في مستوى الخدمات الصحية بين فئات المجتمع، ويضع ضغطًا كبيرًا على المستشفيات الحكومية التي تتحمل العبء الأكبر من مراجعي النظام الصحي.
الأرقام تكشف مفارقة لافتة. فالإنفاق الصحي في الأردن يقدّر بنحو 2.67 مليار دينار سنويًا، أي ما يقارب 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك يدفع المواطن جزءًا كبيرًا من كلفة العلاج من جيبه، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 35% من الإنفاق الصحي في البلاد يدفع مباشرة من جيوب المواطنين.
وفي المقابل تستقبل المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية أكثر من 20 مليون زيارة طبية سنويًا، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد الشعبي على القطاع الصحي العام، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود قدرته الاستيعابية.
ومع تصاعد هذا الضغط على المؤسسات الصحية الحكومية، توسع في السنوات الأخيرة دور شركات خاصة تتولى إدارة ملفات التأمين الصحي وتنظيم المطالبات الطبية بين المستشفيات وشركات التأمين. هذا النموذج الإداري قد يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الواقع ينقل جزءًا من إدارة النظام الصحي إلى القطاع الخاص ويحول جزءًا من الموارد الصحية العامة إلى تكاليف تشغيلية وأرباح إدارية.
وهنا تبرز مشكلة أعمق من مجرد نقص الموارد. فالقضية لا تتعلق فقط بكم ينفق على الصحة، بل بكيفية إدارة هذا الإنفاق. فعندما تتحول إدارة جزء من النظام الصحي الممول من المال العام إلى شركات خاصة، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى هذا النموذج وعن حجم الكلفة الإدارية التي يدفعها النظام الصحي مقابل هذه الإدارة.
ولا يمكن فهم الخلل في النظام الصحي الأردني دون النظر إلى التجارب الدولية. ففي المملكة المتحدة تنفق الدولة سنويًا ما يقارب £317 مليار على نظامها الصحي الوطني، ويبلغ الإنفاق الصحي للفرد نحو 6700 دولار سنويًا. وفي ألمانيا يصل الإنفاق الصحي للفرد إلى نحو 6800 دولار سنويًا ضمن نظام تأمين اجتماعي يساهم فيه العامل وصاحب العمل بنسبة من الدخل.
أما في الأردن فلا يتجاوز الإنفاق الصحي للفرد نحو 295 دولارًا سنويًا، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة في الاستثمار الصحي مقارنة بالدول التي نجحت في بناء أنظمة رعاية صحية مستقرة.
لكن المشكلة في الأردن لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل أيضًا بطريقة توزيع الخدمات الصحية. فبينما تتركز المستشفيات الخاصة والخدمات الطبية المتقدمة في العاصمة عمان وبعض المدن الكبرى، تعاني العديد من المحافظات من نقص واضح في التخصصات الطبية والخدمات التشخيصية المتقدمة، ما يضطر المرضى إلى التنقل لمسافات طويلة للحصول على العلاج.
هذه الاختلالات لا يمكن تفسيرها فقط بضعف الموارد، بل تعكس أيضًا خللًا في إدارة الملف الصحي وفي ترتيب أولويات السياسات العامة.
وقد يندرج هذا الواقع في إطار تراخٍ حكومي في إدارة القطاع الصحي، كما قد يعكس قصورًا في أداء المؤسسات المعنية بتنظيمه. فوزارة الصحة تتحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة النظام الصحي، والحكومة مسؤولة عن السياسات العامة وتخصيص الموارد، بينما يفترض أن يمارس مجلس النواب دورًا رقابيًا فاعلًا على هذا الملف الحيوي.
لكن عندما تستمر المشكلات نفسها لسنوات دون إصلاحات جذرية، وعندما يبقى المواطن مضطرًا لدفع جزء كبير من كلفة العلاج من جيبه، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن النظام الصحي يعاني من خلل مؤسسي يتجاوز مجرد نقص الموارد.
صحيح أن هناك بعض المبادرات الإيجابية في السنوات الأخيرة، مثل توسيع مظلة التأمين الصحي لبعض الفئات العمرية، إلا أن هذه الخطوات تبقى محدودة مقارنة بحجم التحديات التي يواجهها النظام الصحي في البلاد.
فالإصلاح الحقيقي للنظام الصحي لا يقوم على مبادرات جزئية، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تعيد ترتيب أولويات السياسة الصحية في الأردن، وتضع الاستثمار في الرعاية الصحية في صلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
ولهذا لا بد من رفع المخصصات الحكومية للصحة والتأمين الصحي ضمن الموازنة العامة بما يتناسب مع ما تنفقه الدول التي نجحت في بناء أنظمة صحية مستقرة. فالدول التي تستثمر في صحة مواطنيها لا تفعل ذلك بدافع الرفاهية، بل لأنها تدرك أن الصحة العامة شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
في نهاية المطاف، إذا كان المواطن الأردني ما يزال يتحمل جزءًا كبيرًا من كلفة العلاج رغم كل ما ينفق على القطاع الصحي، فإن المشكلة لم تعد في الموارد فقط، بل في طريقة إدارة هذا النظام وأولويات السياسات الصحية في البلاد.