facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ثلاث سنوات لهيكلة الجيش: رسالة استقرار في إقليم مضطرب


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
26-01-2026 01:00 PM

حين وجّه جلالة الملك عبد الله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإعادة هيكلة بنيوية شاملة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – ضمن إطار زمني يمتد لثلاث سنوات، لم يكن ذلك قرارًا إداريًا أو عسكريًا تقنيًا فحسب، بل رسالة استراتيجية عميقة المعاني، تعكس فهم الدولة لطبيعة المرحلة، واستشرافها لما هو قادم، وإدارتها لمعادلة الأمن والاستقرار بعقل ورؤية بعيدة المدى. فالدول التي تعيد بناء مؤسساتها العسكرية على أسس بنيوية لا تفعل ذلك تحت ضغط اللحظة أو بدافع القلق، وإنما انطلاقًا من قراءة هادئة للواقع، وتقدير دقيق لمتطلبات المستقبل، وإدراك واعٍ لطبيعة التهديدات المتغيرة وأشكالها المتجددة.

إن اختيار مصطلح “إعادة الهيكلة البنيوية” بحد ذاته يحمل دلالات عميقة، إذ يشير إلى مراجعة شاملة في الفكر العسكري والتنظيم المؤسسي والقدرات البشرية والتقنية، لا إلى مجرد تحديث في العتاد أو إعادة توزيع للوحدات. وهو ما يعكس توجّهًا استراتيجيًا نحو بناء منظومة متكاملة قادرة على التكيّف مع أنماط الصراع الحديثة، والتعامل مع التحديات الأمنية المركبة، ضمن إطار مؤسسي مرن ومستدام، يراعي التحولات المتسارعة في بيئة الأمن الإقليمي والدولي.

كما أن تحديد إطار زمني واضح يمتد لثلاث سنوات يعكس انضباطًا عاليًا في التخطيط ووضوحًا في الرؤية والأهداف، ويؤكد أن بناء القوة الوطنية لا يتم بقرارات متعجلة أو حلول آنية، بل عبر مراحل مدروسة تتكامل فيها الرؤية مع التنفيذ، وتُربط فيها الجاهزية العسكرية بالاستقرار الوطني الشامل. فالتخطيط الزمني هنا لا يُفهم بوصفه جدول عمل فحسب، بل باعتباره رسالة ثقة بأن الدولة تمتلك من الاستقرار السياسي والمؤسسي ما يسمح لها بالتفكير بعيدًا عن منطق الاستنفار الدائم وإدارة الأزمات.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها المضاعفة في ظل سياق إقليمي شديد الاضطراب، يتسم بتداخل معقّد في الملفات السياسية والأمنية والعسكرية، وتبدلات متسارعة في موازين القوى. وفي خضم هذا المشهد الملتهب، يبعث الأردن برسالة طمأنينة داخلية وخارجية مفادها أن استقراره لم يكن يومًا وليد الصدفة، بل نتاج نهج دولة، وحكمة قيادة، وقدرة واعية على الفصل بين ما يجري في الإقليم وما ينبغي التركيز عليه في الداخل. فبينما تنشغل دول كثيرة بإدارة أزماتها الآنية، يواصل الأردن العمل بهدوء على ترسيخ مؤسساته وتحديث أدواته وبناء قدراته الذاتية.

ويؤكد هذا التوجيه الملكي أن الأردن لا يعمل بمنطق ردّ الفعل، ولا يُدار بعقلية الطوارئ، بل يدخل مرحلة واعية من البناء والإعداد طويل الأمد. فإعادة الهيكلة البنيوية، بطبيعتها، لا يمكن أن تتم في أجواء ارتباك أو قلق، وإنما في بيئة مستقرة تقودها رؤية واضحة، وتستند إلى مؤسسات راسخة، وقيادة تدرك أن الأمن الحقيقي يبدأ بالتخطيط المسبق، لا بالاستعجال أو الانفعال.

كما تعكس هذه الخطوة إيمانًا راسخًا بأهمية الاعتماد على الذات، وتعزيز القدرات الوطنية، وتطوير الجاهزية الشاملة للدولة، ضمن مفهوم متكامل للأمن الوطني لا يقتصر على البعد العسكري وحده. فالقوة هنا ليست استعراضًا ولا رسالة تهديد، بل توازن مدروس يقوم على التخطيط المؤسسي، وتحديث الأدوات، وبناء الإنسان، وضمان الجاهزية لمختلف السيناريوهات المحتملة، دون تهويل أو تهوين.

ولا يمكن إغفال دلالة الإطار الزمني الممتد لثلاثة أعوام، والذي يتقاطع مع مرحلة حساسة في النظام الدولي، تتسم بتقلبات في السياسات والتحالفات، ولا سيما في ظل المرحلة المتبقية من حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما قد تحمله من تحولات أو قرارات مفصلية على المستويين الإقليمي والدولي. ويعكس هذا التزامن قراءة أردنية واعية للمتغيرات العالمية، واستعدادًا محسوبًا للتعامل مع نتائجها، دون الارتهان لها أو انتظار مآلاتها.

وفي المحصلة، فإن إعادة الهيكلة البنيوية للجيش العربي لا يمكن قراءتها كقرار عسكري معزول، بل كجزء أصيل من مشروع دولة متكامل يوازن بين الاستقرار والبناء، وبين الجاهزية والطمأنينة. إنها رسالة واضحة بأن الأردن لا ينتظر ما سيأتيه من الخارج، بل يهيئ نفسه لما قد يأتي، بثقة وحكمة واعتماد على الذات، وهو ثابت في مساره، واثق بخياراته، وماضٍ في بناء مستقبله بأدواته الوطنية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :