فواتير الكهرباء وما صاحبها من ردود فعل
م. عبدالفتاح الدرادكة
26-01-2026 01:05 PM
إن الأزمة المصطنعة التي أوجدتها أقلام وأطراف لا دراية لها بقطاع الكهرباء والطاقة من قريب أو بعيد، اعتمدت على معلومات غير مكتملة، وبنيت عليها تصورات وتوقعات تحولت لاحقًا إلى “خبر” تتداوله وسائل الإعلام والفضائيات. وقد أدى هذا الطرح إلى إثارة الشارع، مستفيدًا من الانتشار الواسع لوسائل الإعلام، وما يرافقه من زيادة في العائد الإعلاني أو الاهتمام الشعبي والرسمي، بما يعزز حضور هذه الوسائل على الخريطة الإعلامية داخليًا وخارجيًا.
سبق أن أوضحت موضوع فواتير الكهرباء في إحدى الحلقات الاقتصادية على قناة “المملكة”، حيث أكدت في بداية اللقاء ضرورة دقة المعلومة كأساس لأي تحليل صحيح. إلا أن ما حصل لاحقًا من تداول لمعلومات غير دقيقة، أسهم في توتير الشارع، الأمر الذي استدعى نفي الجهات المعنية لما تم تداوله، مع اصطفاف بعض المواقع الإخبارية والفضائيات لتحقيق أهداف الإثارة المذكورة أعلاه، وانضم إلى ذلك بعض الفعاليات الاقتصادية، وقلة قليلة جدًا من الأكاديميين.
ذهب أحد هؤلاء الأكاديميين إلى المطالبة بإظهار الفاقد الكهربائي بشكل منفصل على الفاتورة، مشككًا في أداء شركات الكهرباء، ومؤكدًا أن قيمة الفاقد لا تقل عن 13%، دون أن يوضح ماهية هذا الفاقد: هل هو فني أم إداري (عبث)، وهل يقع على شبكات النقل أم التوزيع. بل أشار أيضًا إلى وجود فاقد في التوليد، إضافة إلى فواقد النقل والتوزيع.
وهنا لا بد من التوضيح:
إن شركة الكهرباء الوطنية هي المشتري الوحيد للطاقة من شركات التوليد، ووفق التعرفة التنافسية المتفق عليها في جميع مشاريع التوليد. والطاقة تُستلم عند محطات التحويل التابعة لمحطات التوليد، ولا تتضمن أي احتساب للفاقد في التوليد، إذ إن أي فاقد في هذه المرحلة تتحمله شركات التوليد نفسها.
وبالرجوع إلى التقرير السنوي لشركة الكهرباء الوطنية لعام 2024، يتضح أن الفاقد على شبكة النقل – وهو الفرق بين الطاقة المشتراة من شركات التوليد والطاقة المباعة لشركات التوزيع – يبلغ 1.76% فقط. أما إجمالي الفاقد في النظام الكهربائي الأردني، ووفق بيانات هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، فيبلغ نحو 11%. وبطرح فاقد النقل، فإن مجموع الفواقد الفنية والإدارية يقارب 9%، وهو ما يتفق تمامًا مع ما ذكرته في المقابلة التلفزيونية، بأن متوسط الفاقد الفني في شركات التوزيع يتراوح بين 6-8% ، اما بخصوص العبث فتبلغ نسبته 3% وربما من وجهة نظري الشخصية انه يتم تحصيل ما يزيد على ال80% منه بسبب اجراءات الشركات التوزيع عند ضبط العبث حيث تعمد الى تحصيل قيمة الفاقد طيلة وقت العبث بالاظافة الى غرامة مرتفعة كعقاب وردع وتدخل المبالغ المحصلة كايرادات سنوية يتم بموجبها تحديد التعرفة المباشرة بين شركة الكهرباء الوطنية وشركات التوزيع ،ومن المقرر وبعد تركيب العدادات الذكية ان يقل هذا الفاقد قليلا حيث ان هذه العدادات تمكن من اكتشاف العبث ساعة حصولة او بعد وقت قصير من حصولة.
أصل الإشكالية: ادعاء بلا أساس
إن أصل المشكلة يعود إلى معلومة وردت على لسان متحاورين غير معروفين ولا ينتمون إلى قطاع الطاقة، في إحدى القنوات الفضائية، ادعيا أن كلف الفاقد الكهربائي تُحمّل على فواتير أشهر الشتاء. هذا الطرح، الذي يفتقر لأي أساس فني أو تنظيمي، أشعل موجة من التشكيك والتهويل، وفتح الباب أمام المواطن البسيط – المثقل أصلًا بالأعباء الاقتصادية – لتوجيه غضبه نحو شركات الكهرباء والجهات الحكومية. والأسوأ أن ما طُرح لم يكن سوى تخمين وتحليل سطحي، لكنه وجد طريقه سريعًا إلى الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يستوجب مساءلة مطلقي هذه الادعاءات عن دقتها ومسؤوليتها.
أصبح قطاع الكهرباء، للأسف، شماعة أو “ملطشة” يطرقها كل من أراد، دون اختصاص أو معرفة. وقد اطلعت مؤخرًا على مقال لكاتب دخل حديثًا في تحليل شؤون الطاقة، ادعى فيه أن الأردن لم يستغل الطاقة المتجددة كما يجب، واختار عنوانًا مثيرًا يوحي بالجمود والفشل: “الطاقة – كيف انتصر الجمود وهُزم المستقبل”، متجاهلًا حقيقة أن المملكة كانت من أوائل دول المنطقة استثمارًا في الطاقة المتجددة، حيث بلغت مساهمتها في توليد الكهرباء نحو 27%، وهي من أعلى النسب إقليميًا.
وعند التحقق من خلفية الكاتب، تبيّن أنه خبير اقتصادي ذو خبرة مصرفية وبنكية، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى أحقيته في إطلاق أحكام فنية على قطاع معقد كقطاع الطاقة، خاصة وأن مقاله تضمن مغالطات كان الأولى به تفاديها، والالتزام بحدود تخصصه، وترك القضايا الفنية لأهلها.
مقترحات لتهدئة الشارع وتحقيق عدالة أكبر
ولتخفيف الاحتقان وتحقيق قدر أكبر من العدالة، قد يكون من المجدي دراسة إعادة هيكلة التعرفة الكهربائية، وإيجاد شرائح وسطية بين الشرائح الأولى والثانية والثالثة، مع مراعاة احتياجات التدفئة شتاءً في المناطق الباردة، والتكييف صيفًا في المناطق الحارة، مثل العقبة والأغوار.
خلاصة فنية
إن الفاقد الفني يُعد جزءًا من كلف التوليد، وهو ليس عبثًا ولا خللًا في النظام الكهربائي، ولا تتحمل شركات التوليد مسؤوليته. إنما هو أثر حراري طبيعي ناتج عن مرور التيار الكهربائي العالي في شبكات النقل والتوزيع. ونِسَب الفاقد الفني موجودة شئنا أم أبينا، والأهم هو العمل على تقليلها قدر الإمكان، مع مقارنتها بالنسب العالمية. وفي هذا السياق، فإن نسب الفاقد في الأردن تُعد من الأفضل إقليميًا، وتكاد تتساوى مع المعدلات العالمية، بل قد تزيد قليلًا، نظرًا لمحدودية إمكانيات رفع الجهد الكهربائي ونقله وتوزيعه داخل المدن والقرى والأرياف. ومن لديه رأي مغاير، فليقدمه مدعومًا بمرجعية واضحة ودليل موثق.
وفي الختام ارجو التأكيد على ان قطاع الطاقة اليوم يتعرض لهجمات متتالية، ويقع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية أكبر في التصدي للتضليل، وتبني سياسة إعلامية أكثر فاعلية لشرح الحقائق للمواطنين. فشؤون الطاقة تحكمها اعتبارات فنية وتنظيمية معقدة، ولا يمكن اختزالها في عناوين شعبوية. والمعنيون في هذا القطاع كُثر، من وزارة الطاقة والثروة المعدنية، وهيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، إلى شركة الكهرباء الوطنية وشركات التوزيع، ومئات المختصين، ولا يُعقل افتراض صمتهم جميعًا لو كانت هناك تجاوزات أو ممارسات غير صحيحة كما يُشاع.
والله من وراء القصد.