القوة العربية .. خيار الضرورة
د. ذيب القراله
09-03-2026 02:59 AM
في اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة اليوم، لم تعد فكرة إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة مجرد طرح نظري يتكرر في البيانات والمؤتمرات ( والتي كان آخرها اجتماع الجامعة العربية أمس) بل أصبحت خيار الضرورة الذي تفرضه طبيعة التحولات الأمنية المتسارعة في الإقليم.
فالتصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، والحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران وما رافقها من اعتداءات وتداعيات طالت أكثر من دولة عربية، أعادا طرح سؤال الأمن العربي بصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، اذ أظهرت التطورات بوضوح أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تتسم بقدر كبير من حالة عدم الاستقرار والصراعات المفتوحة.
لقد أثبتت تجارب ( السنوات العجاف ) الماضية أن الاعتماد على مظلات الحماية الخارجية أو التحالفات الثنائية مع القوى الكبرى لا يمكن أن يشكل ضمانة دائمة للأمن، فهذه التحالفات تتحرك في النهاية وفق حسابات المصالح الخاصة بتلك القوى، وقد تتغير أو تتراجع في اللحظة التي تتبدل فيها تلك المصالح.
من هنا تعود فكرة القوة العسكرية العربية المشتركة إلى الواجهة بوصفها أحد الخيارات الواقعية المطروحة، فهذه الفكرة ليست جديدة، إذ طُرحت في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، لكنها بقيت حبراً على ورق بسبب الخلافات السياسية بين الدول العربية واختلاف أولوياتها.
غير أن الظروف الحالية تبدو مختلفة إلى حد كبير، فالتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة لم تعد تخص دولة بعينها، بل باتت تمس مجمل النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي يفرض التفكير بجدية في آليات دفاع جماعي قادرة على حماية الاستقرار ومنع أي تهديد خارجي.
إن بناء قوة عسكرية عربية مشتركة لا يعني بالضرورة تشكيل وحدات رمزية أو إطار تنسيقي محدود، بل يفترض قيام منظومة دفاع جماعي حقيقية تقوم على قيادة مشتركة وتخطيط استراتيجي موحد، بحيث تكون قادرة على توفير عنصر الردع لأي طرف يفكر في استهداف دولة عربية.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الدول العربية، إذا ما جُمعت إمكاناتها العسكرية والبشرية والاقتصادية، تمتلك عناصر قوة كبيرة، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في تشتت هذه القدرات وغياب التنسيق الاستراتيجي بينها، وهو ما يقلل من تأثيرها في موازين القوة الإقليمية.
في المقابل، يشهد العالم من حولنا تحولات لافتة في هذا الاتجاه، ففي أوروبا، على سبيل المثال، تتزايد الدعوات إلى تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وبدأت عدة دول أوروبية في رفع إنفاقها العسكري وتسريع برامج التسلح تحسباً لمرحلة قد تحمل تحديات أمنية أكبر.
وإذا كانت دول تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار تسعى إلى تعزيز تعاونها العسكري، فإن دول منطقة الشرق الأوسط، التي تعد من أكثر مناطق العالم توتراً، تبدو أكثر حاجة إلى التفكير في صيغ تعاون دفاعي جاد وفعّال.
إن إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة قد لا يكون حلاً لكل أزمات المنطقة، لكنه يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء قدر من الردع الجماعي، فالدولة التي تفكر في الاعتداء على دولة عربية ستدرك حينها أنها لن تواجه دولة واحدة، بل منظومة دفاع إقليمي كاملة.
أن هذه الخطوة، إذا ما تحققت، قد تسهم في إعادة التوازن إلى معادلات القوة في المنطقة، وتمنح الدول العربية قدرة أكبر على حماية مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
والسؤال الساخن هو ، إذا لم تسعَ الدول العربية إلى بناء منظومة دفاع مشتركة اليوم، فكيف ستتعامل مع التحديات الأمنية التي قد تفرضها السنوات المقبلة؟ وخاصة المشروع التوسعي الاسرائيلي.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول التي تعجز عن بناء قوتها بنفسها تظل دائماً عرضة لتقلبات السياسة الدولية، وتحت رحمة قرارات الآخرين، فهل ستناقش الدورة العادية القادمة لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، الشهر الحالي هذا الامر ، ام سيتم تجاهل ما جرى، انتظارا لصدمة جديدة، ربما لن تكون بعيدة في حسابات الزمن؟.
theeb100@yahoo.com