الفوضى الخلّاقة وكذب الأقوياء .. قراءة من منظور عربي محافظ
د. بركات النمر العبادي
26-01-2026 02:22 PM
ينطلق الفكر المحافظ العربي من مسلّمة مركزية مفادها أن الاستقرار ليس نقيضًا للإصلاح ، وأن الهدم ليس شرطًا للتجديد ، وأن المجتمعات لا تُبنى من الفراغ ، بل من تراكم التاريخ والهوية والمؤسسات . ومن هذا المنظور، تبدو “الفوضى الخلّاقة” واحدة من أكثر المفاهيم تضليلًا في الخطاب السياسي المعاصر ، لأنها تنقض من الداخل كل فكرة عن الإصلاح المتدرّج ، والسيادة الوطنية ، والمسؤولية الأخلاقية في إدارة التغيير.
فالفوضى ، في التجربة العربية الحديثة ، لم تكن يومًا بوابة للنهضة ، بل كانت مدخلًا لتفكيك الدولة ، وتآكل المجتمع ، وانكسار المعنى الجمعي ، وما يُقدَّم بوصفه “مرحلة انتقالية ضرورية” ليس سوى تفكيكٍ مقصودٍ للبنى الصلبة التي تحفظ توازن المجتمع : الدولة ، القانون ، الهوية ، والمؤسسات الوسيطة. ومن هنا يرفض الفكر المحافظ هذا المفهوم لا لأنه يعادي التغيير، بل لأنه يعادي التغيير القسري الذي يُفرض من الخارج وبمعايير لا تنتمي إلى السياق المحلي.
أما “كذب الأقوياء” ، فهو في الرؤية المحافظة ليس مجرد تضليل إعلامي ، بل خلل أخلاقي في بنية القوة نفسها ، فالقوة التي تنفصل عن القيم تتحول إلى عنفٍ مقنّع ، وتفقد شرعيتها حتى لو امتلكت التفوق العسكري والاقتصادي ، لقد اعتادت القوى الإمبريالية على تسويق تدخلها في شؤون الدول الضعيفة بوصفه حمايةً للديمقراطية ، أو دعمًا لحقوق الإنسان ، بينما تُستثنى مصالحها وحلفاؤها من أي مساءلة حقيقية ، وهنا تتجلى الازدواجية التي يراها الفكر المحافظ تهديدًا مباشرًا لفكرة النظام الدولي العادل.
في السياق العربي ، لا يمكن فصل هذا المسار عن الدور البنيوي للصهيونية السياسية ، التي شكّلت نموذجًا متقدمًا لكيفية توظيف القوة المطلقة مع خطاب أخلاقي زائف ، فبدعمٍ إمبريالي شامل ، جرى قلب المعادلة الأخلاقية : الاحتلال دفاع عن النفس ، والمقاومة إرهاب ، والسيادة العربية خطر على “الاستقرار الإقليمي” ، هذا القلب المتعمّد للمعاني هو جوهر كذب الأقوياء ، وهو ما يرفضه الفكر المحافظ بوصفه اعتداءً على الحقيقة قبل أن يكون اعتداءً على الأرض.
ويرى الفكر المحافظ العربي أن أخطر نتائج الفوضى الخلّاقة ليست الدمار المادي فحسب ، بل تحطيم الذاكرة السياسية للأمة ، ودفع المجتمعات إلى العيش في حاضرٍ دائم بلا أفق ولا امتداد ، فالمجتمع المنهك لا يطالب بالإصلاح ، بل بالنجاة ، والدولة المكسورة لا تفاوض ، بل تُبتز ، وهكذا يُرتهن مصير الضعفاء عبر أدوات ناعمة : القروض المشروطة ، التقارير الدولية ، التصنيفات ، والضغوط الإعلامية.
إن البديل المحافظ لا يقوم على رفض العالم أو الانغلاق ، بل على استعادة منطق التدرّج ، والسيادة ، والمسؤولية التاريخية ، فالإصلاح الحقيقي لا يُفرض ، بل يُبنى ، ولا يبدأ بتفكيك الدولة ، بل بتقويتها ، ولا يستورد مفاهيم جاهزة ، بل يعيد تأويلها في ضوء التجربة المحلية ، ومن هنا ، تصبح مقاومة الفوضى الخلّاقة فعل وعي ، قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني