facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو مركز وطني للمحاكاة: رافعةٌ لتطوير التعليم الصحي وسلامة المرضى


د. إسلام مساد
26-01-2026 08:48 PM

(عقدٌ على مؤتمر المحاكاة الأول في الجامعة الأردنية)

عقدٌ كامل مرعلى مؤتمر كلية الطب في الجامعة الأردنية حول المحاكاة في التعليم الطبي 5–7 تشرين الأول/أكتوبر 2016 الذي ترأست أعماله، وبينما تتسارع أدوات التدريب حول العالم، ما تزال المحاكاة في الأردن - في كثير من الأحيان - فكرة تُذكر أكثر مما تُمارس ضمن منظومة وطنية واضحة. في أقسام الطوارئ والعناية والعمليات، لا تتوقف الحاجة إلى تدريبٍ متكرر على مواقف عالية الحساسية قبل وقوعها؛ لكن المتدرّب قد يصل إلى الميدان دون فرص كافية للتجريب الآمن المنظّم. من هنا يبرز سؤال المرحلة: كيف ننتقل من مبادرات متفرقة إلى نهج وطنـي يجعل الكفاءة شرطًا قبل الممارسة، وسلامة المريض معيارًا للتدريب؟.

تأتي المحاكاة اليوم في قلب التحول العالمي نحو تدريب قائم على الكفاءة، لا على عدد الساعات فقط. فالطبيب والممرض والفني الصحي يُطالَبون بإتقان مهارات تقنية وسلوكية معًا: تواصل فعّال، عمل ضمن فريق، اتخاذ قرار تحت الضغط، وإجادة التعامل مع بيئة رقمية تشمل السجلات الصحية الإلكترونية وأجهزة التشخيص والعلاج المتقدمة. ومع جيلٍ أكثر إلمامًا بالتقنية والرقمنة، يصبح من المنطقي أن تتطور أدوات التعليم لتواكب طبيعة المتدربين ومتطلبات المهنة.

وتزداد قيمة المحاكاة حين تُصمم لتدريب الفريق لا الفرد فقط. فالرعاية الحديثة تُنجَزها فرقٌ متعددة التخصصات: أطباء، وصيادلة، وممرضون، وفنيون يعملون تحت ضغط الزمن. وكثير من التعثرات السريرية لا ينتج عن نقص المعرفة بقدر ما ينتج عن فجوات التواصل وتوزيع الأدوار وتسلسل القرار. تتيح المحاكاة تدريبًا عمليًا على مهارات العمل الجماعي مثل “الاتصال المغلق”، وتنسيق المهام أثناء الإنعاش والصدمة والتدهور التنفسي، وإدارة الموارد والانتقال الآمن للمريض، ضمن سيناريوهات مشتركة تعكس واقع المستشفى. وقد خلصت مراجعة للأدلة في المجلة الطبية البريطانية الاكثر شهرة BMJ Quality & Safety) ) إلى أن برامج تدريب الفرق - ومن بينها التدريب بالمحاكاة - ترتبط بتحسن سلوكيات الفريق ومؤشرات الجودة في العديد من الدراسات، كما يوفر برنامج TeamSTEPPS أدوات مبنية على الأدلة لتحسين التواصل والعمل الجماعي بما يخدم سلامة المرضى.

المحاكاة ليست بديلًا عن التدريب السريري، لكنها تسبقُه وتجعله أكثر أمانًا. فهي تتيح للمتدرّب أن يتعلم ويجرب ويخطئ ويصحح ضمن بيئة مضبوطة، قبل أن يواجه مريضًا حقيقيًا. وهذا الجوهر يتقاطع مباشرة مع معايير سلامة المرضى. فالأهداف الدولية لسلامة المرضى المعتمدة من اللجنة الدولية المشتركة للمستشفيات (JCI) تركز على مجالات عالية الحساسية، منها: التعرف الصحيح على المريض، وتحسين فعالية التواصل، وتحسين سلامة الأدوية عالية الخطورة، وضمان الجراحة الصحيحة للمريض الصحيح وفي الموضع الصحيح، وتقليل مخاطر العدوى المرتبطة بالرعاية، وتقليل أذى السقوط. وعلى المستوى الوطني، تبرز معايير اعتماد المستشفيات في الأردن عبر HCAC) ) بوصفها مسارًا لتعزيز الرعاية الآمنة؛ إذ تؤكد أن الغاية من الاعتماد هي دعم المنشآت لتحقيق مؤشرات وطنية للجودة، وتعزيز ثقة المجتمع عبر إبراز التزام المستشفى بتقديم رعاية آمنة وعالية الجودة.

الأدلة العلمية تدعم هذا الاتجاه بوضوح. فمراجعة منهجية كبيرة في مجلة (JAMA) الشهيرة خلصت إلى أن التعليم القائم على المحاكاة المعززة بالتقنية يرتبط بتحسن كبير في المعرفة والمهارات والسلوك مقارنة بعدم وجود تدريب، وبأثر متوسط على النتائج المرتبطة بالمرضى، وفي مثال سريري ذي دلالة مباشرة على سلامة المرضى، أظهرت دراسة تدريب إدخال القسطرة الوريدية المركزية بالمحاكاة انخفاض معدل عدوى مجرى الدم المرتبطة بالقسطرة من 3.20 إلى 0.50 لكل 1000 يوم-قسطرة بعد تطبيق برنامج محاكاة. وفي مجال الجراحة، أظهرت دراسة عشوائية مزدوجة التعمية أن التدريب بالواقع الافتراضي حسّن أداء الأطباء المقيمين داخل غرفة العمليات خلال استئصال المرارة بالمنظار، ما يدعم فكرة انتقال أثر المحاكاة إلى الممارسة الواقعية.

ولم تعد المحاكاة حكرًا على الدمى التقليدية . فاليوم تتنوع النماذج بين محاكيات مرضى عالية الدقة تُستخدم لتدريب فرق الطوارئ والإنعاش والعناية الحثيثة، ونماذج مهارية (Task Trainers) لإتقان إجراءات محددة مثل التنبيب والقسطرة والخياطة، ومرضى معياريين(Standardized Patients) لتطوير مهارات التواصل والأخلاقيات وأخذ السيرة المرضية، إضافة إلى محاكاة الواقع الافتراضي (Virtual Reality) والواقع المعزز(Augmented Reality) لتدريب المهارات الجراحية والمناظير وإدارة المواقف الحرجة. ومن الأمثلة على تطور صناعة أجهزة المحاكاة محاكيات المرضى عالية الدقة مثل ( SimMan 3G PLUS)، التي توفر تدريبًا غامرًا يتيح استخدام أجهزة سريرية حقيقية، مع تدرج مستويات الصعوبة لبناء الكفاءة، وتأكيد مبدأ جوهري: تدريب الطاقم دون تعريض المرضى لأي مخاطر.

التجارب العالمية الناجحة لم تتوقف عند إنشاء “مراكز محاكاة” منفصلة، بل ذهبت إلى دمج المحاكاة في الخطط الدراسية للكليات الصحية والمتدربين وتثبيتها ضمن أطر جودة ومعايير مهنية واضحة لضمان سلامة المتعلم وجودة المحتوى وملاءمته للاحتياجات السريرية. وفي هذا السياق، تقدم معايير الجمعية البريطانية لممارسة المحاكة في الرعاية الصحية (ASPiH) إطارًا عمليًا يربط برامج المحاكاة بأهداف المؤسسة واحتياجات السلامة وجودة الرعاية، ويؤكد تطوير المدربين، والتقييم والتحسين المستمر. كما أن بعض التخصصات اتجهت نحو الإلزام عبر الهيئات المهنية؛ فعلى سبيل المثال يشيرتقرير للجمعية الاميريكية لجراحة المظار ((SAGES إلى أن برنامج اساسيات جراحة المظار المسمى (FLS) معتمد للتعليم الطبي المستمر، وأن المجلس الأمريكي للجراحة اشترطه منذ عام 2008 كمتطلب سابق للامتحان التأهيلي للمجلس.

في الأردن، يبرز مدخلٌ عملي يمكن البناء عليه لتسريع الانتقال نحو منظومة وطنية للمحاكاة: التطوير المهني المستمر/التعليم الطبي المستمر الذي أُقرّ ضمن متطلبات تجديد رخص المزاولة. فالمجلس الطبي الأردني يوضح، على سبيل المثال، أن الطب البشري يتطلب 60 ساعة تطوير مهني خلال خمس سنوات بواقع 12 ساعة سنويًا). هنا تتجسد فرصة استراتيجية: اعتماد دورات محاكاة معيارية ضمن ساعات التطوير المهني المستمر، بحيث تصبح المحاكاة جزءًا طبيعيًا من مسار الترخيص والتجديد، لا نشاطًا موسميًا. هذا الربط يرفع الإقبال لأنه يُحتسب رسميًا، ويضمن جودة المحتوى لأن الاعتماد يفرض معايير للتصميم والتقييم، ويخلق في الوقت نفسه قاعدة استدامة تشغيلية وتمويلية لأي مركز وطني مقترح.

من هنا تبرز الحاجة إلى قرار سياساتي وتعليمي واضح بتأسيس مركز وطني للمحاكاة للتعليم الصحي والطبي في الأردن. مركزٌ كهذا لا يعني تجميع أجهزة فحسب، بل بناء منظومة وطنية: تأهيل مدربين (Training of Trainers)، تطوير مناهج وسيناريوهات مرتبطة بالأولويات الوطنية للسلامة (كالإنعاش، وسلامة الجراحة، والوقاية من العدوى، والتواصل العلاجي(، توحيد معايير التقييم، وإتاحة التدريب للكليات الصحية والقطاعات العلاجية كافة، مع قياس الأثر على الأداء ومؤشرات السلامة. والأهم أنه يمنع تبعثر الجهود وتكرار الإنفاق، ويحوّل الموارد المتفرقة إلى استثمار وطني مستدام.

إن نجاح هذا المشروع يتطلب إيمانًا جادًا من صناع السياسات الصحية، وإدارات المستشفيات، والمدربين، والأكاديميين في الكليات الصحية بأن المحاكاة ليست “إضافة” بل ضرورة. وعندما تُجهز البنية التحتية ويُؤهل المدربون وتُدمج المحاكاة في المناهج، وتُربط بالتطوير المهني المستمر المعتمد، يمكن للأردن أن ينتقل من مرحلة المبادرات إلى مرحلة المنظومة: تدريب أكثر كفاءة، أخطاء أقل، وثقة أعلى بأن سلامة المريض تبدأ من جودة التدريب قبل أن تبدأ من غرفة العلاج.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :