الصندوق الأسود 32: الثقة المؤسسية .. امتحان كفاءة رئة المؤسسات
د. كفاية عبدالله
28-01-2026 01:56 AM
في العمل الحكومي، لا تظهر الثقة في خرائط الهياكل التنظيمية، ولا تُدرج في الأدلة الإجرائية، ولا تُوثَّق في بطاقات إجراءات العمل القياسية. ليست بندًا تنظيميًا، ولا ثقافة تُعلّق على الجدران، ولا قيمة تُردّد في الخطابات، ولا مؤشرًا يُرصد على لوحات القيادة.
ومع ذلك، فهي العامل الأعمق الذي يحدد كيف يعمل الناس، وكيف يفكرون، وكيف يتخذون قراراتهم حين لا تكون الإجابة واضحة، ولا المخاطر مأمونة، ولا السوابق كافية.
الثقة المؤسسية لا تُبنى دفعة واحدة، ولا تُمنح بقرار، ولا تُستدعى بشعار. هي حصيلة مسار طويل من التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد، لكنها تُراكم معناها بصمت: نبرة سؤال، طريقة رد، مساحة رأي، أو لحظة صمت في غير محلها.
وحين تغيب هذه التفاصيل، تتكاثر القواعد، وتزداد الرقابة، ويضيق هامش الاجتهاد؛ لا لأن الأفراد يفتقرون إلى المعرفة، بل لأنهم لا يعرفون ماذا سيحدث لهم ما بعد الاجتهاد.
في المؤسسات التي لم تُحسن بناء الثقة، يتعلّم الأفراد درسًا واحدًا بسرعة: النجاة أولًا ونفسي أولاَ.
وبذلك تُدار القرارات بمنطق الحماية الذاتية، لا بمنطق القيمة العامة. ويُختار الأسلم إداريًا، لا الأجدى خدميًا.
ويتحول الامتثال إلى مهارة، بينما تتراجع الجرأة بوصفها مخاطرة أو أنها مقامرة.
أما في المؤسسات التي تُدار بثقة واعية، فإن المشهد مختلف جذريًا.
لا لأن الأخطاء تختفي، بل لأن التعامل معها يتغيّر.
ولا لأن المخاطر تُلغى، بل لأنها تُدار في الضوء، لا في الظل.
الثقة هنا لا تعني التساهل، بل الوضوح؛ ولا تعني غياب المساءلة، بل عدالتها واتساقها.
في هذا السياق، تتحول الثقة إلى علاقة متبادلة: تمنح المؤسسة التفويض والدعم، ويقابلها الأفراد بالالتزام، والشفافية، وتحمل المسؤولية عن القرار وأثره. وحين يختل هذا التوازن، لا تنهار الثقة بسبب خطأ واحد، بل بسبب شعور متكرر بعدم الأمان.
غير أن الثقة، مهما بلغت على مستوى السياسات والهياكل، تظل فكرة نظرية إن لم تُترجم إلى أمان نفسي داخل فرق العمل. فالأمان النفسي هو المقياس الحقيقي لعمق الثقة، وهو ما يكشف إن كانت المؤسسة تسمح بالفعل بالرأي المختلف، أم تكتفي بتمثيله شكليًا.
في البيئات التي يغيب عنها الأمان النفسي، لا يغيب العمل، بل يغيب الكلام. تستمر الاجتماعات، تُنجز المهام، وتُكتب التقارير، لكن الأسئلة الجوهرية تبقى معلّقة. ويتحول الصمت إلى آلية تنظيمية غير معلنة، تُنتج قرارات تبدو مستقرة ظاهريًا، لكنها هشة في عمقها.
أما حين يتوافر الأمان النفسي، فإن المؤسسة تكسب قدرة نادرة: القدرة على رؤية نفسها بصدق.
يصبح التنبيه المبكر سلوكًا مهنيًا، لا تشكيكًا.
ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه موردًا معرفيًا، لا تهديدًا للانسجام.
وتتحسن جودة القرار لأن الافتراضات تُفكك، لا لأن الجميع متفق.
في القطاع العام، تكتسب هذه المعادلة وزنًا مضاعفًا. فالقرارات لا تمس فرق العمل فقط، بل تمس حياة الناس وثقتهم بالمؤسسات. وكثير من الإخفاقات الكبرى لم تبدأ بخطأ جسيم، بل بسكوت صغير، أو ملاحظة لم تُقل، أو خوف من قول الحقيقة في وقتها.
من هنا، لا يكون الأمان النفسي ترفًا ثقافيًا، بل درع وقائي للمؤسسة.
هو ما يمنع تراكم الأخطاء الصامتة، ويُبقي النظام يقظًا قبل أن يفقد توازنه.
غير أن هذا المناخ لا يُبنى تلقائيًا، ولا يُفرض باللوائح. إنه نتاج قيادة تفهم الفرق بين الانضباط المسؤول والخوف من سوط الجلاد، وبين المساءلة والانتقام الإداري، وبين الحزم والارتداد البيروقراطي.
القيادة التي ترسّخ الثقة لا تُكافئ الخطأ، لكنها لا تُشيطنه. ولا تحمي الأفراد من المسؤولية، لكنها تحميهم من الاستهداف. وهي تدرك أن الرشاقة لا تُبنى بالأدوات، بل بالطمأنينة المهنية التي تسمح للناس أن يفكروا دون تهديد.
ومع الزمن، تتكوّن في المؤسسات ذاكرة غير مكتوبة، تُعلّم الأفراد—دون أن تُقال صراحة—ما هو المقبول، وما هو المحفوف بالمخاطر، وما الذي يُغفر، وما الذي لا يُنسى. هذه الذاكرة هي ما يحوّل الثقة من حالة إلى قدرة مؤسسية متراكمة.
وعندما تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة، لا تعود الثقة موضوع نقاش، بل تصبح جزءًا من نسيج العمل اليومي. هنا تقل الحاجة إلى الرقابة المفرطة، تتحسن سرعة الاستجابة، ويصبح التعلم المؤسسي ممكنًا لا شعارًا.
في النهاية، لا تُقاس الثقة المؤسسية بما تقوله المؤسسة عن نفسها، بل بما يجرؤ الناس على قوله داخلها. ولا تُقاس بنجاح واحد، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن تُدار بالخوف.
وهناك، في تلك المساحة الصامتة بين القرار والطمأنينة، تتشكل المؤسسات الناضجة، وتُبنى الحكومة التي تثق بإنسانها… لأن إنسانها يثق بها.