نفسيا ووطنيا .. قانون يحمي أطفالنا من السوشال ميديا؟
حسن عبدالحميد الرواشدة
28-01-2026 12:12 PM
في عصر الرقمنة المتسارعة، حيث تصل الأجهزة الذكية إلى أيدي الأطفال قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، أصبح واضحًا أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل بيئة تشكل شخصية الطفل وهويته وقيمه. مع ارتفاع نسب الاستخدام بين القاصرين حول العالم، يفرض الواقع سؤالًا اجتماعيًا وسياسيًا عاجلًا، هل حان الوقت لمنع الأطفال دون سن 16 من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي؟
تشير الدراسات العالمية إلى أن نحو 40% من الأطفال دون 13 عامًا يمتلكون حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي رغم القيود الرسمية، فيما يستخدم نحو 814 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات هذه المنصات.
أستراليا مثلا فرضت قانونًا يحظر استخدام الأطفال دون 16 عامًا، لحماية صحتهم النفسية من الإدمان الرقمي والمحتوى الضار، بينما تدرس فرنسا منع الأطفال دون 15 عامًا من الوصول لهذه المنصات، لحماية صحتهم العقلية ومنع تعرضهم للتنمر والانخراط في سلوكيات غير مناسبة.
الأدلة العلمية تكشف حجم المخاطر، الأطفال الذين يقضون وقتًا أطول على التطبيقات الرقمية يسجلون أداء أقل في اختبارات القراءة والمفردات والذاكرة، وتشير أبحاث نفسية إلى أن الاستخدام المكثف يزيد من القلق والاكتئاب واضطرابات السلوك، بل وقد يؤدي أحيانًا إلى أفكار انتحارية. المحتوى الضار يظهر للأطفال خلال دقائق من التصفح، وهو ما يكشف عن قصور أنظمة التحقق من العمر والمحتوى، ويؤكد أن خطر الإدمان الرقمي ليس بعيدًا عن الواقع.
هذا الواقع لا يقتصر على تأثيره النفسي فحسب، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع. حين يصبح الفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من حياة الطفل اليومية، نترك تشكيل شخصيته وهويته وقيمه لشركات التكنولوجيا الكبرى، بعيدًا عن سياقنا الثقافي والاجتماعي. استمرار الأطفال في استخدام هذه المنصات بدون حماية صارمة يوسع الفجوة بين القيم التي نسعى لغرسها، وبين عالم افتراضي تسيطر عليه الإعلانات والإثارة والإدمان الرقمي.
هنا تكمن أهمية المناعة السياسية للجيل الجديد، الأطفال الذين ينشأون في فضاء رقمي بلا إشراف يصبحون أكثر عرضة لتلقي رسائل سياسية وثقافية خارجية بلا قدرة على التمييز أو التحليل النقدي. حماية الطفل من الانغماس المبكر في منصات التواصل لا تعني حرمانه من المعرفة، بل بناء جيل واعٍ قادر على فهم السياسة والمجتمع والثقافة المحلية والعالمية بعين ناقدة، جيل يستطيع مواجهة التضليل الرقمي والمحتوى الأجنبي المشوه، ويمتلك القدرة على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، معتمدًا على قيمه وهويته الثقافية الخاصة.
في الأردن، حيث تمتلك أكثر من 96% من الأسر اشتراكًا منزليًا بالإنترنت، أصبح الأطفال أكثر اتصالًا بالعالم الرقمي من أي وقت مضى، بينما لا توجد أطر قانونية تكفل حماية الفضاء الرقمي للأطفال بشكل فعال. هذا الواقع يستدعي تشريعًا وطنيًا صارمًا للتحقق من العمر، ليس تقييدًا، بل حماية اجتماعية ونفسية وثقافية وسياسية، تدعم نمو الطفل وتمنع تعرضه للمحتوى الضار، وتضمن نقل القيم واللغة العربية والتفاعل الأسري، وتعزز قدرة الدولة على تنظيم الساحة الرقمية وفق أولوياتها الوطنية.
حماية الأطفال من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد رفاهية، بل ضرورة وطنية عاجلة. إذا أردنا بناء جيل واعٍ، يتمتع بصحة نفسية ومعرفية قوية، ويملك مناعة سياسية وثقافية تمكنه من التعامل مع العالم بوعي ومسؤولية، فلا يمكن تجاهل التأثير العميق لهذه المنصات على حياتهم اليومية ومستقبلهم، ويصبح تشريع واضح وصارم أمرًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل.