facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




آفة المخدرات .. كيف يتم استئصالها، ومن يقف خلفها؟


محمد مطلب المجالي
29-01-2026 01:26 AM

لم تعد المخدرات خطرًا خفيًا يُتداول في الأزقة المظلمة، بل غدت آفة تتسلل إلى البيوت والمدارس وأماكن العمل، وتطرق أبواب الأسر بلا استئذان. هي ليست مجرد حبوب أو مسحوق أبيض، بل مشروع خراب يستهدف العقل قبل الجسد، ويضرب الاستقرار الاجتماعي في عمقه، ويحوّل الطاقات الحيّة إلى عبء على أصحابها وأوطانها.

استئصال هذه الآفة لا يكون بشعار عابر ولا بحملة موسمية، بل بمعركة شاملة تتقاطع فيها أدوار الدولة والمجتمع والأسرة والإعلام. فالمخدرات لا تُهزم بالأمن وحده، كما لا تُقهر بالموعظة وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تعالج الجذور قبل النتائج.

أول الطريق يبدأ من الوقاية. فالمدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط، بل خط الدفاع الأول عن وعي الطلبة. حين نزرع في عقولهم معنى الكرامة الشخصية، ونعلّمهم أن المخدرات ليست “تجربة” بل “انزلاقًا”، نكون قد أغلقنا بابًا واسعًا من أبواب الضياع. ويأتي دور الإعلام هنا شريكًا لا مكمّلًا، بإبراز الحقيقة كما هي: المخدرات طريق قصير إلى نهايات طويلة من الألم، لا بطولة فيها ولا متعة.

ثم يأتي دور الأسرة، فهي الحصن الأصدق والأقرب. كثير من الضحايا لم يسقطوا فجأة، بل سبق سقوطهم فراغ عاطفي أو غياب رقابة أو صمت طويل عن تغيرات واضحة في السلوك. الحوار داخل البيت، والمتابعة بلا قسوة، والاحتواء بلا تبرير، هي أدوات إنقاذ مبكر قبل أن يتحول الخطأ إلى إدمان، والإدمان إلى جريمة، والجريمة إلى مأساة.

أما العلاج، فهو واجب إنساني قبل أن يكون إجراءً قانونيًا. المدمن مريض يحتاج إلى تأهيل لا إلى نبذ، وإلى فرصة ثانية لا إلى وصمة أبدية. مراكز العلاج والتأهيل يجب أن تكون أبواب رحمة لا جدران عزل، لأن من يعود إلى المجتمع معافى هو مكسب للوطن كله، ومن يُترك فريسة للإدمان هو خسارة مضاعفة.

ولا يمكن إغفال دور القانون والأجهزة المختصة في تجفيف منابع هذه السموم. فالتاجر الذي يقتات على خراب الشباب لا يستحق سوى يد حازمة، وقانون رادع، وملاحقة لا تعرف التراخي. إن التساهل مع شبكات الترويج ليس شفقة، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

استئصال المخدرات ليس مهمة جهة واحدة، بل امتحان لوعي المجتمع كله. هو سؤال أخلاقي قبل أن يكون أمنيًا: هل نريد جيلاً حيّ العقل أم جيلًا مخدَّر الإرادة؟ هل نقبل أن تتحول بيوتنا إلى ساحات حزن صامت، أم نحمي أبناءنا بالوعي والرعاية والحزم؟

في النهاية، المخدرات لا تُهزم فقط حين نطاردها في الشوارع، بل حين نُغلق الطريق إليها في النفوس. وحين يصبح الوعي ثقافة، والمسؤولية سلوكًا، والقانون عدلًا، يمكن عندها أن نقول إننا بدأنا فعلاً طريق الاستئصال… لا الاكتفاء بالبكاء على الضحايا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :