facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل ستصبح الابتكارات التكنولوجية أصولًا سيادية؟


د. صالح سليم الحموري
29-01-2026 08:27 AM

في لحظةٍ عالميةٍ لافتة، تنطلق القمة العالمية للحكومات في دبي بعد أيام قليلة من اختتام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. حدثان لا يجمعهما التتابع الزمني فقط، بل الدور المشترك في استشراف ملامح مستقبل العالم، وصياغة الأسئلة الكبرى التي ستحدد اتجاهاته الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية.

في هذا السياق، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو تسريع الخدمات، بل تحوّلت، بهدوءٍ وحسم، إلى أحد أهم محددات القوة في العالم. ففي زمنٍ سابق، كانت السيادة تُقاس بالأرض والحدود والموارد الطبيعية. ثم أُضيف إليها الاقتصاد والطاقة باعتبارهما رافعتين أساسيتين للنفوذ. أما اليوم، فنحن أمام مرحلة جديدة كليًا، يُعاد فيها تعريف مفهوم السيادة نفسه عبر الابتكار التكنولوجي، ومن يملكه، ومن يتحكم بقواعده، ومن يحدد اتجاهاته.

السؤال لم يعد: ما التكنولوجيا التي نمتلكها؟ بل: من يملك مفاتيحها؟ ومن يحدد قواعد استخدامها؟

في خضم التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات والجغرافيا السياسية، يبرز سؤال جوهري: هل المستقبل شيء نقوم ببنائه وهندسته عمدًا عبر البنية التحتية والأنظمة والمعايير؟

أم أنه صورة تُرسم أولًا عبر الرؤية، والقيم، والسرد الذي نؤمن به ونسوّقه للعالم؟

من أشباه الموصلات، إلى شبكات الاتصالات، إلى الذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه التقنيات محايدة. إنها نقاط ارتكاز للقوة، وأدوات نفوذ، وأحيانًا أدوات ضغط. قرار الاستثمار في مصنع رقائق، أو تبنّي معيار تقني، أو بناء سحابة وطنية، لم يعد قرارًا تقنيًا بحتًا، بل قرارًا سياديًا بامتياز.

الدول التي أدركت ذلك مبكرًا لم تسأل فقط: كيف نستخدم التكنولوجيا؟ بل سألت: كيف نمتلكها؟ كيف نحكمها؟ وكيف نضمن ألا تتحول من مصدر تمكين إلى مصدر تبعية؟

الابتكار التكنولوجي، حين يصبح جزءًا من البنية الوطنية العميقة، يتحول إلى أصل سيادي يشبه الموانئ، أو شبكات الكهرباء، أو حتى الجيوش. فالذكاء الاصطناعي الذي يُدرّب على بياناتك، والبنية السحابية التي تحتضن معلوماتك، والخوارزميات التي تؤثر في قراراتك الاقتصادية والاجتماعية، كلها عناصر تمسّ صميم استقلال القرار.

لكن هنا تظهر المفارقة الأهم: التكنولوجيا لا تُبنى بالهندسة وحدها.

يمكن لدولة أن تستثمر مليارات في البنية التحتية الرقمية، لكنها إن لم تمتلك رؤية واضحة، وقيمًا حاكمة، وسردًا وطنيًا يُحدد لماذا نبتكر ولأجل من، فإن هذا الابتكار قد يخدم غيرها أكثر مما يخدمها. فالتقنية بلا بوصلة قد تتحول إلى مجرد استهلاك ذكي، لا سيادة ذكية.

المستقبل لا يُصنع فقط بالكابلات والمعالجات، بل بالخيال السياسي، والاختيارات الأخلاقية، والقدرة على صياغة قصة وطنية حول التكنولوجيا: هل نراها أداة للتمكين الشامل؟ أم وسيلة للضبط والسيطرة؟ هل نضع الإنسان في مركزها؟ أم نترك الخوارزمية تُعيد تعريف الإنسان؟

قرارات اليوم، مهما بدت تقنية أو إجرائية، تضع الأسس التي سيتحدد على ضوئها توزيع القوة، والفرص، والابتكار في العقود المقبلة. ومن لا يشارك في كتابة هذه القواعد اليوم، سيجد نفسه غدًا مجبرًا على الالتزام بقواعد صاغها الآخرون.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستصبح الابتكارات التكنولوجية أصولًا سيادية؟

بل: هل نحن مستعدون للتعامل معها على هذا الأساس… بعقل الدولة، لا بعقل المستخدم؟

* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :