العدو الحقيقي… حين يأتي الخطر من الداخل
أ. د. هاني الضمور
22-01-2026 10:31 AM
في كل مرحلةٍ مفصلية من تاريخ الأوطان، يُستدعى خطاب “الخطر الخارجي” بوصفه التهديد الأكبر، ويُطلب من الشباب شدّ الصفوف والاستعداد للتصدي للأعداء خلف الحدود. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا لو كان الخطر الأخطر لا يأتي من الخارج، بل ينمو في الداخل، ويتغذى من صمتنا، وتبريراتنا، وسلوكياتنا اليومية؟
العدو الداخلي لا يحمل علم دولةٍ أخرى، ولا يعلن الحرب صراحة، لكنه أكثر فتكًا على المدى البعيد. إنه يتمثل في الفساد حين يصبح قاعدة لا استثناء، وفي الظلم حين يُمارَس باسم القانون، وفي تزييف الوعي حين يُطلَب من المواطن أن يصدق ما يناقض واقعه. هذا العدو لا يهدم الجدران، بل يهدم الثقة، ولا يدمّر المؤسسات دفعة واحدة، بل يُفرغها تدريجيًا من معناها ووظيفتها.
غير أن العدو الداخلي لا يقتصر على من يسيء استخدام السلطة أو ينهب المال العام، بل يشمل أيضًا المواطن الذي يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه وطنه. فالمواطن الذي لا يحافظ على الممتلكات العامة، ولا يصون بيئته، ولا يلتزم بالنظام، ولا يبدي غيرة حقيقية على المصلحة العامة، يشارك – بقصد أو بغير قصد – في إضعاف الوطن من الداخل. فالوطن لا يُستنزف فقط من فوق، بل يُنهَك أيضًا من تحت، حين يتحول الإهمال إلى عادة، والفوضى إلى سلوك يومي.
الفساد، بوصفه أحد أخطر أشكال هذا العدو الداخلي، لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق المستقبل. حين يرى الشاب أن الكفاءة لا قيمة لها، وأن الفرص تُمنَح بالوساطة لا بالاستحقاق، يتآكل إحساسه بالانتماء، ويتحول الوطن في وعيه من مشروع جماعي إلى عبء ثقيل. وعندما يغيب العدل، ويصبح الإفلات من المحاسبة ثقافة، يفقد القانون هيبته، وتُفتح الأبواب أمام الفوضى المقنّعة.
ولا يقل خطر تجهيل المجتمع وتضليل الرأي العام عن خطر الفساد المادي. فحين يُخوَّن كل رأي ناقد، ويُصوَّر السؤال على أنه تهديد، يُغلق المجال العام، ويُصاب المجتمع بالشلل الفكري. عندها، لا يعود المواطن شريكًا في حماية وطنه، بل متلقيًا خائفًا، يصفق أو يصمت، أو ينسحب إلى لا مبالاة قاتلة.
إن أخطر ما يفعله العدو الداخلي هو أنه يطلب من الشباب التضحية دون أن يمنحهم سببًا حقيقيًا للإيمان بما يضحون من أجله. فالدفاع عن الوطن لا يكون فقط بحمل السلاح، بل قبل ذلك بحماية كرامة الإنسان، وصون العدالة، وبناء مؤسسات قوية وعادلة، وبترسيخ سلوك مدني مسؤول يشعر المواطن من خلاله أن الوطن يبدأ منه، لا من الشعارات فقط.
وهذا لا يعني التقليل من شأن الأخطار الخارجية أو الدعوة إلى تجاهلها، بل يعني إدراك حقيقة تاريخية واضحة: لا وطن صمد أمام عدوان خارجي وهو منهك من الداخل. فالقوة الحقيقية للدول تبدأ من الداخل، من دولة قانون لا دولة أشخاص، ومن مواطن واعٍ لا مُهمل، ومن وطن يُحب لأنه عادل، لا لأنه يطالب بالطاعة فقط.
مواجهة العدو الداخلي لا تكون بالعنف ولا بالفوضى، بل بالإصلاح، وبالمحاسبة، وبإعلاء قيمة الحقيقة، وبإعادة بناء العلاقة بين المواطن والوطن على أساس الحقوق والواجبات معًا. فعندما يُصلِح الوطن مؤسساته، ويُصلِح المواطن سلوكه، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أي خطر يأتي من الخارج.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معًا: أيهما أولى بالمواجهة؟ عدو يهدد الحدود، أم فساد وإهمال يهددان المعنى؟ الجواب ليس في إلغاء أحدهما، بل في ترتيب الأولويات. فالوطن الذي يحمي أبناءه من الظلم، ويحمونه في سلوكهم اليومي، سيجدهم أول من يدافع عنه في وجه أي عدو.