بين العقوبة والتوعية… من يصنع الوعي البيئي؟
نادر المناصير
22-01-2026 12:03 PM
رغم الحملات التي أطلقتها وزارة البيئة في الشوارع والأماكن العامة وتفعيل الغرامات في حق من يرمي النفايات ما تزال هذه الظاهرة حاضرة بقوة في مختلف مناطق المملكة. وهي جهود تحسب للوزارة لكنها تظل محدودة الأثر ما لم تُدعم بخطوة أكثر عمقا واستدامة وهي التربية البيئية داخل المدارس.
قبل فترة قريبة جاءت دعوة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بعدم رمي النفايات والحفاظ على الشكل البيئي الحضاري للأردن ، لتؤكد أن القضية لم تعدها هامشية بل أصبحت أولوية وطنية تمس صورة الأردن وبيئته وصحته مواطنيه.
ومن خلال تجربتي الميدانية الشخصية في تأسيس مبادرة جوالة الطبيعة - EcoHikers عام 2018, التي تعتمد على ممارسة "الهايكنج" وإزالة النفايات ودعم المجتمع المحلي ، أزلنا أكثر من 70 طنا من النفايات من الغابات والأودية في مختلف أنحاء المملكة لاسيما تلك الأماكن التي يتردد عليها الناس لغايات التنزه، بمشاركة اكثر من 3 الآف مشارك ومشاركة من مختلف الأعمار منذ تأسيس المبادرة.
كما نفذنا عشرات ورش العمل التوعوية، وحمالات تنظيف ميدانية بمشاركة أردنيين وأجانب، ورفع الوعي البيئي من الحمالات ومن خلال المنشورات ومعلومات التي ننشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعزيز ثقافة الحفاظ على الطبيعة. ورغم الأثر الإيجابي الكبير لهذه الجهود إلا أنّ واقعا مؤلما كان يتكرر، وهو عندما نعود لنفس الأماكن التي نظفناها نجدها بعد فترة قد عادت كما كانت، وربنا أسوأ.
هذه التجربة الميدانية قادتنا إلى قناعة واضحة أن مهما كثفنا حملات التنظيف ومهما زادت أعداد المتطوعين فإن المشكلة ستبقى قائمة ما لم تُعالج جذورها.
نعم القانون ينظم، لكن التعليم يصنع السلوك بدءا من البيت، لكن المدرسة أكثر أهمية. تفعيل الغرامات ضروري لكنه لا يصنع إنسانا واعيا، يمكن للقانون أن يضبط السلوك الأفراد لكنه لا يغيرهم من الداخل. وحده التعليم القادر على بناء قناعة طويلة الأمد تجعل الفرد يحافظ على نظافة المكان و إماطة الأذى حتى في غياب الرقيب.
ومن هنا، فإن وزارة التربية والتعليم تمتلك المفتاح الحقيقي للحل، فالمدرسة هي المكان الذي تتشكل فيه السلوكيات الأولى، وهناك يتعلم الطفل كيف يتعامل مع محيطه، ومع الشارع ومع الطبيعة.
حين كنت في المرحلة الابتدائية، كانت ساحة المدرسة في وقت "الفرصة" تتحول إلى مساحة مليئة بأكياس الشيبس وأغلفة البسكويت وبقايا الطعام. وفي بعض الحصص، كان يُطلب من تنظيف الساحة دون شرح لأسباب ذلك أو لأضرار النفايات على البيئة والصحة.
كنا ننفذ التعليمات ثم نعود في اليوم التالي لنكرر السلوك ذاته، لم نتعلم النظافة كقيمة، بل كمهمة مؤقتة أو كنوع من العقوبة. وهذه التجربة ليست فردية بل نموذج يتكرر في كثير من المدارس.
السؤال الذي يطرح هنا، "لماذا المدرسة هي الأساس؟"
طبعا الإجابة هي لأن الطفال الذي يتعلم منذ الصغر احترام المكان، لن يرمي نفاياته في الشارع والأماكن العامة والطبيعية عندما يكبر، ولأن الطفل الذي يفهم أثر النفايات على بيئته، لن يحتاج إلى قانون ليمنعه من تلويثها.
إن إدماج التربية البيئية في المناهج الدراسية بشكل عملي و تفاعلي، وإدماج أنشطة إعادة التدوير في حصص الفن والمهني (لا أدري اذا مازالت هذه حصة المهني موجودة أو ألغيت) وكذلك تنظيم حملات المدرسية قائمة على الفهم لا الأوامر كفيل، بصناعة جيل مختلف تماما.
كما أننا بحاجة إلى محتوى خاص للأطفال أو إطلاق برامج توعوية مخصصة للأطفال دون سن الإلتحاق بالمدرسة مثل مسلسلات الكرتون أو غيرها على غرار البرامج الأجنبية الناطقة بالإنجليزية التي تركز على تعليم السلوكيات اليومية الإيجابية مثل النظافة، واحترام المكان وعدم رمي النفايات من شأنه أن يرسخ هذه القيم في وعي الطفل منذ سنواته الأولى وهو ما ينعكس بوضوح على سلوك كثير من الأطفال المتأثرين بهذه البرامج، وبالفعل أثبت ذلك!.
من الحمالات المؤقتة إلى الحل المستدام، أثبتت التجربة أن حملات التنظيف مهما كانت واسعة تظل حلولا مؤقتة ما لم تترافق مع تغيير جذري في طريقة التفكير. فالنفايات التي نزيلها اليوم، سيعيدها غدا سلوك لم يتغير.
لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في المدرسة وفي المعلم وفي المناهج، لأن هناك فقط يمكن أن نكسب المعركة!
خلاصة القول، حماية البيئة والطبيعة والأماكن السياحية ليست حملة موسمية ولا نشاطا تطوعيا عابرا ولا مجرد غرامة مالية. إنها مشروع وطني طويل الأمد يبدأ من مقاعد الدراسة.
بعد إزالة اكثر من 70 طنا من النفايات ومشاركة أكثر من 3 آلاف متطوعا من مختلف الأعمار والجنسيات كانت القناعة الأهم أن نظافة الأردن لن تبدأ من الشارع بل من الصف الدراسي.
وهنا لا أنكر هذه الحملات، بل على العكس أشجع على استمرارها لما لها من أهمية كبيرة وأثر إيجابي واضح، ولذلك فإننا في مبادرة جوالة الطبيعة – EcoHikers مستمرون في الحملات بشكل شبه أسبوعي، في نهاية كل أسبوع تقريبا بالتزامن مع نشر الوعي.