مدلولات الاحتفال بعيد ميلاد الملك قراءة في المعنى لا في المناسبة
محمد نور الدباس
29-01-2026 07:27 PM
لا يُقرأ الاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم بوصفه طقسًا بروتوكوليًا عابرًا أو مناسبة شخصية، بل باعتباره حدثًا وطنيًا تتقاطع فيه الرمزية الدستورية مع الوجدان الشعبي، وتنعكس من خلاله صورة الدولة واستقرارها في محيط إقليمي مضطرب، أي أن الاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملك ليس مجرد مناسبة اجتماعية أو بروتوكولية، بل يحمل مدلولات وطنية وسياسية ورمزية عميقة، يمكن قراءتها على أكثر من مستوى.
فمن حيث المدلول الدستوري والسياسي، فعيد ميلاد جلالة الملك يُستحضر بوصفه مناسبة لتجديد الشرعية الدستورية المرتبطة بشخص رأس الدولة، لا من باب الشخصنة، بل من حيث رمزيته الدستورية كـرئيس للدولة، وكرمز لوحدة الأمة، وكضامن لاستمرارية المؤسسات واحترام الدستور، فالاحتفال هنا يعكس الاستقرار السياسي في دولة تقوم شرعيتها على الدستور والتاريخ والقبول الشعبي، حيث نرى في الدول الدستورية أنه لا تنفصل رمزية رأس الدولة عن رمزية الدولة ذاتها، فالملك، وفق أحكام الدستور الأردني، هو رأس الدولة ورمز وحدتها وضامن استمرارية مؤسساتها، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفاء بهذه المناسبة يحمل دلالة سياسية عميقة، مفادها تجديد الثقة بشرعية الدولة واستقرار نظامها السياسي، لا من خلال الشعارات، بل من خلال القبول الشعبي والتماسك المؤسسي.
ومن حيث المدلول الوطني والوجداني، نجد أن الاحتفال يتحول إلى مساحة جامعة تُستدعى فيها فكرة الوحدة الوطنية، حيث يلتقي الأردنيون على اختلاف أصولهم ومشاربهم حول رمز جامع للدولة، بما يعزز الانتماء الوطني، ويعزز الثقة بالدولة ومؤسساتها، والشعور بالاستمرارية وسط محيط إقليمي مضطرب، وهنا لا يُحتفى بالعمر الزمني، بل بـ مسيرة حكم وتجربة دولة، فعلى المستوى الوطني، يشكّل هذا اليوم مساحة جامعة، تتراجع فيها الانقسامات لصالح الشعور المشترك بالانتماء، ففي زمن تتآكل فيه فكرة الدولة الوطنية في كثير من دول الإقليم، يبرز الأردن كنموذج للاستقرار، حيث يتحول الرمز الوطني إلى عامل توحيد لا استقطاب، وإلى نقطة التقاء لا خلاف.
ومن حيث المدلول التاريخي والهاشمي، فإن عيد الميلاد يحمل دلالة تاريخية مرتبطة بـ الدور الهاشمي في النهضة العربية، وفي حماية المقدسات في القدس، وفي الدفاع عن القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فالاحتفال يعيد ربط الحاضر بسلسلة تاريخية ممتدة، تؤكد أن الدولة الأردنية ليست طارئة، بل امتداد مشروع سياسي وتاريخي واضح المعالم، فتاريخيًا، نجد أن المناسبة تستحضر الدور الهاشمي الممتد في وجدان الأردنيين والعرب على حد سواء، فالهاشميون لم يكونوا يومًا سلطة منعزلة عن قضايا الأمة، بل جزءًا من مشروع سياسي وتاريخي ارتبط بالدفاع عن القدس والمقدسات، وبمواقف ثابتة تجاه القضية الفلسطينية، وبنهج وسطي حافظ على التوازن بين الثوابت الوطنية ومتغيرات الواقع الدولي.
ومن حيث المدلول السيادي والرمزي، ففي زمن تتعرض فيه مفاهيم السيادة للاهتزاز، يكتسب الاحتفال معنى تأكيد على سيادة القرار الوطني، وعلى استقلالية الموقف الأردني، وعلى التوازن بين المصالح الوطنية والضغوط الخارجية، ويأتي ذلك خصوصاً في ظل مواقف الأردن المعلنة تجاه قضايا إقليمية حساسة، ما يجعل المناسبة رسالة سياسية غير مباشرة للداخل والخارج، حيث يكتسب الاحتفال مدلولًا خاصًا في ظل ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة تتعرض لها الدول الصغيرة، فاستمرار الدولة الأردنية في الحفاظ على قرارها الوطني المستقل، رغم شح الموارد وتعقيد التحالفات، يمنح هذه المناسبة معنى يتجاوز الاحتفاء، ليصل إلى التأكيد على أن السيادة ليست خطابًا، بل ممارسة يومية في السياسة الخارجية والداخلية على حد سواء.
أما من حيث المدلول الاجتماعي والإنساني، فقد ارتبط اسم جلالة الملك في الوعي الجمعي بمبادرات الإصلاح والتحديث، ومبادرات تمكين الشباب، ومبادرات دعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وبمبادرات الاهتمام بالفئات الأقل حظاً لذا يتحول الاحتفال إلى لحظة تقييم وجداني لعلاقة القيادة بالمجتمع، وليس مجرد طقس احتفالي، فقد ارتبط اسم جلالة الملك بمبادرات الإصلاح والتحديث، وبخطاب يضع الإنسان الأردني في صلب عملية التنمية، مع تركيز واضح على الشباب، وتمكين المرأة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بوصفها عماد الاستقرار، لذا فإن هذه المناسبة تتحول في الوعي الجمعي إلى لحظة تقييم لمسار الدولة، لا إلى مجرد احتفال زمني.
خلاصة القول، إن الاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني هو احتفال بالدولة الأردنية نفسها؛ بتاريخها، وشرعيتها، واستقرارها، وقدرتها على الاستمرار في عالم مضطرب، وهو مناسبة لقراءة المعنى قبل المناسبة، والرمز قبل الشكل، والدولة قبل الشخص، وهو ما يمنحه قيمته الحقيقية في الوعي الوطني، وتعبيراً عن عقد اجتماعي وثقة متبادلة بين القيادة والشعب في إطار دولة دستورية حديثة.