facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




‎بين الإقصاء والاحتواء: أي طريق نختار؟


د. رائد قاقيش
30-01-2026 09:26 AM

‎ليست كل الدول التي تمرّ بظروف صعبة تُقصي أبناءها. فالتجارب من حولنا تُظهر أن دولًا عاشت حروبًا أهلية، وانقسامات حادة، وصراعات قاسية، استطاعت في لحظة وعي أن تجلس أطرافها على طاولة واحدة، وأن تختار الحوار بدل الإلغاء. فالصعوبة لا تبرّر الإقصاء، بل كثيرًا ما تكون سببًا للتوسّع لا للانغلاق.

‎في علم التفكير، يُقال إن المجتمعات حين تشعر بالخوف تنتقل من عقل “البناء” إلى عقل “الحماية”. عندها يبدأ رفض المختلف، حتى وإن كان اختلافه نابعًا من اجتهاد لا من عداء. وهنا تبدأ المشكلة؛ فالاختلاف في الرأي لا يعني الخروج عن الوطن، والاستقلال في الموقف لا يعني التمرّد، لكن حين تختلط المفاهيم يتحوّل كل رأي مختلف إلى ملف، وكل موقف قديم إلى عقوبة مفتوحة.

‎وفي البرمجة الذهنية يُسمّى هذا النمط تفكير العقاب طويل المدى، حيث يُعاقَب الإنسان لا على ما فعله، بل على ما يُخشى أن يفعله. وهو أخطر أشكال الإقصاء، لأنه لا يُراجع نفسه، ولا يعترف بتغيّر الزمن، ولا يترك مجالًا للتصحيح أو العودة.

‎الأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن جرى تغييبهم لم نسمع منهم يومًا إساءة للوطن، ولا طعنًا في الدولة، ولا خروجًا على ثوابتها. بل ظلّوا يعملون، وينجحون، ويمثّلون الأردن باحترام في مواقعهم المختلفة، وكأنهم يعيشون داخل مشهد كبير اسمه الوطن، لكن من خارج الكادر. والمؤلم ليس الغياب بحد ذاته، بل شعور الإنسان بأنه غير مرئي، وأن سنوات العطاء يمكن أن تُمحى بموقف واحد، في لحظة واحدة، وفي زمن تغيّرت فيه كل المعادلات.

‎وهنا يبرز سؤال منطقي لا يمكن تجاهله: إذا كان بعض هؤلاء بلا قيمة حقيقية أو بلا تأثير، فلماذا استمر إقصاؤهم كل هذه السنوات؟ فالدولة لا تُقصي من لا وزن له، بل غالبًا ما تُقصي من تعتقد أن له حضورًا ورأيًا. وهذا بحد ذاته دليل على أن كثيرًا من المغيّبين كانوا — وما زالوا — طاقات وطنية حقيقية لم يُستفد منها.

‎الدولة الحديثة لا تُدار بعقل الذاكرة الغاضبة، بل بعقل المستقبل. ولا تُبنى قوتها على القوائم والإقصاء، بل على استعادة طاقاتها وتوظيفها. فالحداثة ليست في القوانين فقط، بل في طريقة التفكير، وفي الانتقال من منطق “من معنا ومن ضدنا” إلى منطق “كيف نستفيد من الجميع”.

‎وحان الوقت اليوم لإطلاق مبادرة وطنية شجاعة تقوم على تنفيض الغبار عن الملفات، لا بدافع المجاملة، بل بدافع المصلحة الوطنية العليا. فالأردن، في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، أحوج ما يكون إلى توسيع صدره لكل من لم يساوم يومًا على الوطن، حتى وإن اختلف في الرأي أو الاجتهاد.

‎إن المجتمع القوي لا يُبنى بالأصوات المتشابهة، بل بتعدّد العقول تحت سقف وطن واحد. وربما آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم الإقصاء، لا بوصفه إجراءً إداريًا، بل بوصفه فكرة قديمة لم تعد صالحة لعصر المستقبل. فالدولة تكبر حين تتّسع، وتقوى حين تصالح أبناءها، وتستمر حين تؤمن أن الوطن يتّسع للجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :