الأرضُ كانت هنا قبل أن نمنحها اسماً، وقبل أن نختلف عليها؛ لم تكن يوماً مجرد وطنٍ أو مِلكية، بل كانت معنىً يُتعلَّم بالصبر. منها أدركنا أن الثبات والبقاء ليس إلا فعلاً يومياً يتقنه من أحبَّ بصمتٍ وترفّع.
نحن أبناء الزيتون، لأننا استعرنا منه صفاتنا؛ ننمو ببطء، نرسخ في العمق، ونُعطي دون استعجال. تلك الأيدي التي علّمتنا القطاف – أيدي أبي – كانت تدرك بحكمةٍ متى تمسك الغصن، ومتى تتركه ليرتاح. فالزيت عندنا ليس مجرد منتج، بل هو "ذاكرة سائلة"؛ نقطفه، ونغسله من غبار الطريق، ثم نعصره كما لو كنا نُنقّي القلب من شوائبه، ليخرج الزيت ممزوجاً بالحب والانتماء؛ لأن الأيدي التي صنعته لم تكن محايدة، بل كانت عارفةً بما تفعل، ولمن تفعل.
وإذ قيل لنا إن الحجارة تُثقل كاهل الحياة، اكتشفنا أنها في الحقيقة شرطُ بقائها. لم نكسر الصخر بل فاوضناه بمرونة، وحوّلناه إلى درجاتٍ للصعود، وجدرانٍ تردّ الريح، ومقاعدَ للانتظار الطويل. هكذا فهمنا أن القسوة تُهزم بالفهم، وأن البساطة هي الحكمة في أبهى صورها، عاريةً من كل ادّعاء.
أما الحكايات، فليست دائماً أمينة على الحقيقة؛ فكثيراً ما يُعيد الرواة ترتيب الأدوار، فيصنعون بطلاً من محض ظلّ، ويُلبسون الرجل الصامت قناع الشر، ليتحولوا إلى ممثلين ثانويين في مسرحٍ لم يفهموا نصّه أصلاً. لكنّ الأرض وحدها لا تخطئ السرد؛ فهي تعرف من خدمها بصدق ومن مرّ بها عابراً، وتحتفظ بالأثر العميق حيث لا تصل أقلام المؤرخين.
إن علاقتنا بهذه الأرض لم تأتِ من الشعارات أو كتب التاريخ، بل نبتت من أفعالٍ صغيرة تتكرر، ومن وصايا صامتة تنتقل بين الأجيال كما تنتقل المعرفة؛ بهدوء، ومن يدٍ خبيرة إلى يدٍ تتعلّم. فالوطن في جوهره ممارسةٌ يومية حية، وليس وعداً مؤجلاً في الغيب.
هذه قصّتي لأنني اخترت "القرب"؛ القرب من التراب، ومن بريق الزيت في قارورته، ومن أثر القدم الذي يختفي تاركاً وراءه المعنى. فالحب قد يُعصر ويُضغَط، لكنه أبداً لا ينكسر.
وهكذا تبقى الأرض.. بما نتركه في أعماقها من أثر.