facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حوكمة البيانات والمخاطر التقنية في المصارف الإسلامية .. درع الحماية في عصر الرقمنة


د. محمد فخري صويلح
31-01-2026 10:51 PM

لم تعد البيانات في العصر الرقمي مجرد مخرجات ثانوية للعمليات المصرفية، بل أصبحت أصلاً استراتيجياً يعادل في قيمته الأصول المالية التقليدية،،، ومع التحول المتسارع نحو الخدمات المصرفية الرقمية، باتت المصارف الإسلامية، مثل غيرها من المؤسسات المالية، تعتمد على البيانات في كل ما تقوم به،،، من تصميم المنتجات، إلى تقييم المخاطر، إلى فهم العملاء، إلى اتخاذ القرارات الاستثمارية،،، غير أن هذا الاعتماد المتزايد على البيانات والتقنيات المصاحبة له، يخلق في الوقت ذاته جيلاً جديداً من المخاطر التقنية المعقدة التي تتطلب حوكمة رشيدة وإدارة دقيقة.

في جوهرها، تعني حوكمة البيانات وضع سياسات ومعايير وإجراءات واضحة لضمان أن البيانات التي يعتمد عليها المصرف في عملياته وإدارته واستثماراته ،،، بيانات دقيقة، آمنة، متاحة في الوقت المناسب، ومستخدمة بطريقة مسؤولة ومتوافقة مع القوانين والضوابط الشرعية،،، وفي السياق المصرفي الإسلامي، تكتسب هذه الحوكمة بعداً إضافياً، لأنها لا تتعلق فقط بالامتثال للمتطلبات التقنية والتنظيمية، بل تمتد إلى حماية حقوق العملاء والالتزام بالقيم الشرعية في حفظ الأمانات وصون الخصوصيات.

إن التحول الرقمي السريع جعل المصارف الإسلامية عرضة لنطاق واسع من المخاطر التقنية، أبرزها الهجمات السيبرانية، وتسرب البيانات، وانقطاع الأنظمة، والاختراقات الداخلية والخارجية،،، ولأن المعاملات المصرفية الإسلامية غالباً ما ترتبط بأصول حقيقية وبعقود معقدة، فإن أي اختراق أو خطأ تقني قد لا تكون عواقبه مالية فقط، بل قد تمس شرعية العمليات وموثوقيتها، وتضر بثقة العملاء والمستثمرين على حد سواء،،، ولهذا أصبحت حوكمة البيانات والمخاطر التقنية ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.

وأحد الركائز الأساسية لحوكمة البيانات في المصارف الإسلامية هو ضمان النزاهة والدقة،،، فالقرارات الاستثمارية والتمويلية الحساسة لا يمكن أن تُبنى على بيانات ناقصة أو مغلوطة،،، لذا يجب أن تعتمد المصارف على أطر رقابية متقدمة تضمن جودة البيانات في جميع مراحل جمعها وتخزينها وتحليلها،،، ويتطلب ذلك إنشاء بنية بيانات مؤسسية موحدة، بحيث لا تكون البيانات مشتتة بين أقسام المصرف، بل تُدار من خلال منصة مركزية تضمن اتساقها وسهولة تتبعها.

أما الركيزة الثانية فهي الخصوصية وحماية البيانات،،، فالعملاء في المصارف الإسلامية يضعون ثقتهم في المؤسسة ليس فقط لحماية أموالهم، بل لحماية معلوماتهم الشخصية والمالية،،، ولأن حماية الأسرار والخصوصيات تُعد من القيم الأساسية في المنظور الشرعي، فإن أي تسرب للمعلومات يشكل خرقاً مزدوجاً - قانوني وشرعي- ومن هنا تأتي أهمية بناء بنية تحتية رقمية آمنة، واستخدام تقنيات التشفير المتقدمة، ووضع سياسات صارمة للوصول إلى البيانات الحساسة.

كما تشكل إدارة المخاطر التقنية محوراً رئيساً في هذه الحوكمة،،، فالمصرف الإسلامي بحاجة إلى منظومة شاملة لرصد التهديدات الرقمية وتحليلها والاستجابة لها،،، ويشمل ذلك وضع خطط استجابة لحوادث الأمن السيبراني، وتقييم مواطن الضعف في الأنظمة بشكل دوري، والتأكد من وجود آليات نسخ احتياطي واستعادة بيانات موثوقة،،، فالمسألة لا تتعلق فقط بمنع الهجمات، بل بالقدرة على الاستمرار في العمل حتى في حالة تعرض المصرف لحوادث تقنية.

ومن الزوايا التنظيمية المهمة كذلك توزيع الصلاحيات والمسؤوليات في إدارة البيانات والمخاطر التقنية،،، ففي كثير من المؤسسات، يشكل تداخل المسؤوليات بين الإدارات التقنية والإدارات التشغيلية نقطة ضعف يمكن أن تستغلها التهديدات الداخلية أو الخارجية،،، ولهذا من الضروري وجود هيكل حوكمة واضح، يحدد دور كل من مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، ووحدة أمن المعلومات، ووحدة المخاطر، ووحدة الرقابة الشرعية،،، فكل طرف من هذه الأطراف له دور تكاملي في حماية البيانات وضمان الاستخدام الآمن لها.

وتبرز أهمية الرقابة الشرعية في هذا الإطار من زاوية فريدة،،، ففي حين أن معظم البنوك التقليدية تركز على الجوانب التقنية والتنظيمية، فإن المصارف الإسلامية ملزمة أيضاً بالتأكد من أن طرق جمع البيانات وتخزينها واستخدامها لا تتعارض مع مبادئ الشريعة،،، وهذا يشمل احترام خصوصية العملاء، وعدم استغلال البيانات لأغراض غير مشروعة، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لا تؤدي إلى ممارسات تمييزية أو مجحفة،،، هذه الرقابة تضيف طبقة إضافية من الثقة، وتجعل المصرف الإسلامي في موقع متميز في بيئة تتزايد فيها المخاوف بشأن أخلاقيات التقنية.

من الزوايا الاستراتيجية المهمة أيضاً أن حوكمة البيانات الجيدة تعزز القدرة التنافسية للمصارف الإسلامية،،، فالمؤسسة التي تملك بيانات دقيقة ومهيكلة بشكل جيد قادرة على اتخاذ قرارات استثمارية وتمويلية أسرع وأكثر كفاءة، وفهم أعمق لاحتياجات عملائها، وتطوير منتجات مخصصة بدقة،،، كما أن البيانات عالية الجودة تُعد أساساً لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، مما يمنح المصرف ميزة تنافسية مستدامة في سوق سريع التغير.

لكن هذه الحوكمة لا يمكن أن تنجح دون ثقافة مؤسسية داعمة للأمن السيبراني،،، فحتى أقوى الأنظمة التقنية يمكن أن تضعف أمام خطأ بشري بسيط أو إهمال في تطبيق الإجراءات،،، ولهذا يجب أن تكون حماية البيانات والمعلومات جزءً من ثقافة العمل اليومي لكل موظف، بدءً من الإدارة العليا وحتى موظفي الصفوف الأمامية،،، مما يتطلب ذلك تدريباً مستمراً، وسياسات واضحة، وآليات تحفيز على الالتزام.

كما أن بناء شراكات استراتيجية مع الجهات الرقابية والتقنية يعد أمراً حيوياً في هذا السياق،،، فالتحديات التقنية تتطور بسرعة، ولا يمكن لأي مصرف مواجهتها بمفرده،،، ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع الجهات التنظيمية، ومزودي الحلول التقنية المتخصصة، ومراكز الأمن السيبراني الوطنية والدولية،،، هذه الشراكات تتيح للمصارف الإسلامية الاستفادة من أحدث الحلول، والبقاء في طليعة المواجهة مع المخاطر التقنية.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح حوكمة البيانات والمخاطر التقنية في المصارف الإسلامية أكثر من مجرد مسألة تشغيلية؛ بل أداة لحماية الثقة — تلك الثقة التي تُعد رأس المال الحقيقي لأي مصرف إسلامي،،، فالعملاء والمستثمرون يربطون بين الالتزام الشرعي وحماية الأمانة، وأي اختراق تقني لا يُنظر إليه فقط على أنه فشل أمني، بل على أنه خرق للأمانة والثقة،،، ومن هنا فإن الاستثمار في الحوكمة التقنية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية.

إن بناء منظومة متكاملة لحوكمة البيانات وإدارة المخاطر التقنية في المصارف الإسلامية يعني بناء درع حماية متين في عالم يتغير بسرعة،،، وإذا ما تم هذا الاستثمار بطريقة رشيدة، فإنه لن يحمي المصرف فقط من التهديدات، بل سيمنحه كذلك القدرة على الابتكار بثقة، والتوسع بأمان، وتعزيز مكانته في البيئة المصرفية العالمية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :