facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الخفيف هو جدية الفكرة وليس القطار


د. نضال المجالي
01-02-2026 07:25 AM

القطار الخفيف ليس مشروع نقل، بل كائن أسطوري. يشبه العنقاء أو الغول او فكرة «زيادة رواتب القطاع الحكومي»، الجميع سمع به، لكن لا أحد رآه، ومع ذلك يظهر كل بضع سنوات بثقة مطلقة. منذ ثلاثين عاما وهو “قيد الطرح”، يعاد تقديمه بنفس الحماس، وكأننا لم نسمع اسمه من قبل، وكأن ذاكرة الناس تختفي مع كل دورة تصريحات جديدة.


في كل مرة تغلق فيها الشوارع من الازدحام، ويحتج طلبة الجامعة الهاشمية لعدم توفر وسيلة نقل، ويصل الراكب إلى عمله وقد استمع لبرنامج إذاعي صباحي كاملا، يظهر الحل السحري: القطار الخفيف. يقال لنا إن الحل جاهز، فقط نحتاج إلى “بعض الوقت”. هذا “البعض” تمدد حتى أصبح أطول من عمر المشروع نفسه. ثلاثون عاما من “قريبا”، وما يزال القريب بعيدا بما يكفي ليبقى آمنا من التنفيذ.

الجميل في فكرة القطار الخفيف إلى جانب انه صديق للبيئة كون وقوده الكلام انه لا يثقل كاهل الحكومة بشيء. لا ميزانية حقيقية، لا عمال، لا حفريات، ولا حتى مسمار واحد. كل ما يحتاجه المشروع هو طاولة، ميكروفون، وخريطة ملونة تعرض بزاوية مائلة او ثلاثية الأبعاد كي تبدو احترافية. أما السكة، فهي افتراضية، تسير بين جملة رنانة وتصفيق خفيف.

ولكن هذا القطار الخفيف متطور جدا، لدرجة أنه تجاوز مرحلة النقل ودخل عالم الخطاب السياسي. هو قطار يعمل على الطاقة الكلامية، كلما زاد الكلام، زادت سرعته… نظريا. أما عمليا، فهو متوقف منذ التسعينات في محطة اسمها “الدراسة جارية”. محطة لا تصلها القطارات، لكنها تستقبل الوعود بلا توقف. علما ان الحكومة بأحد اذرعها مثقلة برواتب موظفي سكة حديد في الأردن منذ سنوات في مكان ما دون وجود قطار.

العالم حولنا يتحدث عن قطارات تطير تقريبا، ونحن ما نزال نناقش إن كان القطار الخفيف سيسير فوق الأرض أم تحتها، بين عمان والعقبة أم بينها وبين الزرقاء، أو ربما داخل الخيال الجمعي. ومع كل جيل جديد، يعاد شرح الفكرة من الصفر، كأن القطار ولد لتوه، ولم يشيخ معنا ثلاثين عاما.

تحوّل القطار الخفيف إلى حل جاهز لكل شيء: الازدحام، التلوث، وحتى الملل السياسي. مشروع مثالي للاستخدام المتكرر، لا يحقق شيئا، لكنه لا يفشل أيضا، لأنه ببساطة لا يبدأ. فشل مؤجل إلى أجل غير مسمّى.

وفي النهاية، يتضح أن القطار ليس خفيفا لأنه صغير أو حديث، بل لأنه غير موجود. الخفة هنا صفة فلسفية: فكرة بلا وزن، بلا أثر، تطفو فوق الواقع ثم تختفي، لتعود بعد سنوات بابتسامة جديدة. وهكذا، يبقى القطار الخفيف ثابتا في مكانه.. أسرع مشروع في الهروب، وأبطأ مشروع في الوصول ويبقى الدعاء والشكر الموصول لحافلة جت وطائرة الملكية بين عمان والعقبة فهما الحقيقة الوحيدة.

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :