حين يكون الخذلان أعظم أبواب الرحمة
د. ثروت المعاقبة
01-02-2026 03:10 PM
نسمع كثيرًا عن الخذلان، وغالبًا ما يُربط هذا المصطلح بالألم والانكسار والخسارة، لكنه في الحقيقة ليس نهاية الطريق، ولا هزيمة للروح، فالخذلان صدمة قوية توقظ الوعي ولا تقتل الإنسان، وتجربة قاسية تحمل في طياتها رسالة رحيمة، تُعيد ترتيب علاقتك بنفسك، وبالناس، وبالله قبل كل شيء.... هو امتحان لصدق الاعتماد، وكشف لما تعلّق به القلب دون وعي؛ فمن لم يُخذل، لم يُمتحن بعد، ولم يُدرك أين ينبغي أن يُعلّق ثقته وأمانه الحقيقي في هذه الحياة.
نحن لا ننكسر لأن الآخرين خذلونا فقط، بل لأننا حمّلناهم أكثر مما يتحملون، ومنحناهم مكانة لم يكونوا أهلًا لها، للأمانة....صدّقنا للحظة أن البشر سند لا يميل، وأن القرب وعد لا ينتهي، وأن حسن النية كافٍ لحماية العلاقات من الانهيار، لكن الواقع يأتي بلا استئذان، لا ليُهيننا، بل ليُسقط أوهامنا الثقيلة… وينقذنا منها.
فالخذلان في جوهره لحظة انكشاف مؤلمة؛
انكشاف لضعف البشر وقلة حيلتهم، وتقلبهم، وحدود طاقتهم، وانكشاف حقيقي لحاجتنا العميقة إلى سند لا يتغير، ولا ينهار، ولا يخذل في هذه الحياة القاسية.
حين يخذلك من وثقت به، تشعر أن الأرض تهتز تحتك، وأن الأمان الذي بنيته حجرًا فوق حجر ينهار في لحظة دون مبرر فوق رأسك. لكن بعد الصدمة، وبعد زوال الغبار، تبدأ الرؤية بالوضوح أكثر. تدرك أنك لم تكن المشكلة، بل كان تعلّقك الزائد بمن لا يملك الثبات هي المشكلة الأكبر، وهنا تحديدًا تتجلى الرحمة الإلهية في أقسى صورها؛ رحمة تنزع منك الاعتماد على المخلوق، لتزرع فيك التوكل على الخالق وحده.
فالخذلان ليس عقوبة إلهية، بل إعادة توجيه لتفكيرك وسقف توقعاتك.....ليس إذلالًا… بل تحريرًا وانطلاقًا جديدا.....ليس نهاية المطاف… لكن ولادة جديدة من الداخل....
الله لا يسمح بانكسار قلبك عبثًا..... كل خذلان مررت به كان خطوة غير مرئية تقودك إليه، ودرسًا قاسيًا ليقول لك:
«لا تجعل قلبك رهينة لأحد، ولا تسلّم روحك لمن قد يرحل، أو يتغير، أو يعجز عن البقاء».
فبعض الأبواب لا تُغلق إلا رحمة بنا، وبعض الأشخاص لا يبتعدون إلا حماية لنا.
وحين تتكاثر الخيبات، يتّسع في داخلك فراغ موجع، لكنه ليس فراغًا ليبقى، بل مساحة خُلقت ليملأها الله في ساعة الشتات.... عندها فقط تفهم معنى أن يكون الله هو الكافي؛ لا لأن غيره سيئ، بل لأن غيره محدود، ضعيف، ومتقلّب مهما بدا قويًا ومتماسكًا.
الألم الذي يولّده الخذلان حقيقي ومؤلم، ولا يُطلب منك إنكاره أو التظاهر بالقوة.... لكن الخطر الحقيقي أن تبقى فيه، أن تجعله هويتك، أو تسمح له بأن يُقنعك بأنك لا تستحق الوفاء، فالخذلان لا يعني أنك ضعيف، بل أنك إنسان منح أكثر مما يجب، ووثق أكثر مما ينبغي، وأحب بصدق في عالم يتقن ارتداء الأقنعة الزائفة.
الدوروس في هذه الحياة قاسية ، لكنها صادقة
البشر يقتربون حين يحتاجونك.... وتسيطر المصلحة،
ويبتعدون عنك حين يصبح البقاء بلا جدوى،
يوعدون لأن الوعد سهل،
ويخلفون لأن الوفاء حمل ثقيل ليس الجميع قادرًا عليه.
أما الله، فهو الثابت حين يتغير الجميع، والوفي حين يخون الجميع، والقريب حين يبتعد الجميع. ...لا يحتاج إلى تذكير، ولا يطلب مقابلًا، ولا ينسحب بصمت..... وجوده في حياتك لا يخضع للظروف، ولا للمصالح، ولا لتقلّبات المزاج.
وحين تُدرك هذه الحقيقة، يتحول الخذلان من جرح إلى أزمة وعي، ومن وجع إلى قوة. تتوقف عن التعلّق المرضي، وتبدأ ببناء علاقات متزنة؛ تحب دون أن تفقد نفسك، وتثق دون أن تسلّم روحك كاملة، وتمنح دون أن تنتظر إنقاذك من أحد....
أجمل ما في خذلان الناس أنه يُنهي الوهم،
والوهم مهما بدا مريحًا ... هو أخطر ما يمكن أن يسكن القلب.
وحين تتحرر من وهم الاعتماد على البشر، تشعر بخفّة عجيبة؛
خفّة من لا يخاف الفقد،
ولا ينهار من الغياب،
ولا يعلّق سعادته على مزاج أحد.
ختامًا، لا تجعل خذلان الآخرين سجنًا لمشاعرك، بل اجعله معبرًا لنضجك... لا تنظر إليه كصفعة، بل كيدٍ خفية دفعتك نحو باب كنت مترددًا في طرقه، فالله لم يأخذ منك الناس إلا ليعطيك نفسه، ولم يكشف ضعفهم إلا ليُثبت لك قوته، ولم يتركك في منتصف الطريق إلا ليكون هو الطريق.
وحين يخذلك البشر يومًا، تذكّر بهدوء:
أن الذي مع الله لا يُخذل،
ومن اكتفى بالله لا يفتقر،
ومن وثق به لا يضيع.
وارفع يديك مطمئنًا وقل:
"الحمد لله الذي كفاني حين خذلني الجميع، وقوّاني حين ضعفت، وفتح لي باب رحمته من حيث ظننت أن الألم وحده ينتظرني".