الأمير الحسن: ثلاث قضايا تطارد وجودنا .. الأرض والهوية والهجرة
25-01-2026 06:14 PM
* الأمير الحسن: المشرق يعيش “سياسات موت” والإنسان خارج المعادلة
* الأمير الحسن: سلام غزة لا يُبنى بالكلمات… بل بمسار ينهي الاحتلال ويحمي الإنسان
* الأمير الحسن: العالم يستنزف موارد المنطقة… ويتجاهل مآسي شعوبها
* الأمير الحسن يدعو لمسار إقليمي يضع الإنسان في صدارة الأولويات
* الأمير الحسن: مقاربات الماء والطاقة والتعليم مدخل واقعي للتعاون الإقليمي
عمون - أكد سمو الأمير الحسن بن طلال، أن العالم يواجه اليوم ثلاث قضايا تطارد وجودنا هي: الأرض، والهوية، والهجرة، متسائلا هل باتت الدولة القومية، بعَلمها وقومياتها، مستعدة لأن تتحدث بلغة التحديات العابرة للحدود؟
وقال الأمير في مقابلة معه اجراها التلفزيون الوطني البلغاري في متحف الأردن ضمن برنامج "بانوراما"، إن السلام يبقى هدفاً صعباً، وإن كان ممكناً وواقعياً، معتقدا أننا بحاجة إلى ثلاث قيم لا غنى عنها: التواضع لكي نعيش بصدق، والقدرة على قول الحقيقة، والشجاعة لكي نسامح.
وتناول الأمير في مقابلته، قضايا غزة، ومستقبل بلاد الشام، والحوار بين الثقافات والأديان، والحاجة المُلحة لوضع الإنسان في صميم السياسة.
وتاليا نص المقابلة:
- المحاور بويكو فاسيليف:
سموّكم، لنبدأ من غزة. هل ترون إمكانية لتحقيق سلامٍ دائم هناك، أم أن ما نشهده اليوم ليس سوى وقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
أؤمن بأن السلام لا بد أن يأتي إلى المنطقة، وأعني بالمنطقة هنا «المشرق». فإذا تأملنا المشهد الإقليمي، نجد مجلس التعاون الخليجي، حيث إن عدداً من دوله يُبدي اهتماماً—في مرحلة ما—بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وهذه الدول تمتلك تأثيرها، كما أنها تتأثر بدورها بأطرافٍ أخرى.
ونجد كذلك المملكة العربية السعودية، مع تركيز واضح على البحر الأحمر، وهو ما يعيدنا—بطريقة أو بأخرى—إلى غزة؛ إذ إن البحر الأحمر وخليج العقبة لا يبتعدان سوى كيلومترات قليلة عنها، ونحن هنا لا نبعد سوى نحو سبعين كيلومتراً عن غزة.
ومن هذا المنطلق، فإن قلقنا عميق إزاء هذا المسار؛ ليس فقط باتجاه وقف إطلاق النار، بل باتجاه الاعتراف بحقيقة أساسية، وهي أن السكان يعانون. إن الناس هم من يدفعون الثمن، بينما يتبادل السياسيون الأفكار، ويستعد الجنود لجولات جديدة.
ومن المهم الإشارة إلى أننا نشهد اليوم قصفاً في غزة، وقصفاً لأهدافٍ في سوريا تحت ذرائع متعددة، كما لا يزال لبنان مطروحاً كملف قابل للتصعيد. أمّا «الفيل الكبير في الغرفة» فهو احتمال استئناف أعمالٍ عدائية بين إسرائيل—وربما الولايات المتحدة—وإيران.
وعليه، تبدو المنطقة وكأنها ساحة مفتوحة لما يمكن وصفه بـ«سياسات الموت»، حيث لا يكون الإنسان محور القرار، ولا تُعطى الكرامة الإنسانية حقها. فالمشاريع الكبرى المطروحة للمنطقة لا توفر مساءلة حقيقية بشأن أثرها الإنساني، وهذا ما يدفع ملايين الناس إلى فقدان الثقة بالسياسة والسياسيين، ويفتح الباب أمام التطرف والعنف.
- المحاوِر:
إذن أنتم تؤكدون أن الإنسان يجب أن يكون في صميم الأولويات. وفي هذا السياق، فيما يتعلق بالاعتراف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ما الذي لا يزال يشكّل عقبة أمامه؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
فيما يخص الاعتراف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أرى أن السلطة الفلسطينية كانت واضحة في مسألة الاعتراف بالدولة ذات السيادة. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في أن يكون هناك فعلٌ فعّال ومؤثر لإنهاء الاحتلال.
لقد سئمنا من «سياسات الإيماءات» ومن كثرة العبارات الرمزية، ونحن بحاجة إلى مضمونٍ حقيقي يقود إلى نهاية فعلية للقتال. هل نتحدث عن وقفٍ لإطلاق النار؟ أم وقفٍ مؤقت؟ أم التزامٍ حقيقي بالاستقرار الإقليمي؟ كثيراً ما نلعب بالألفاظ، لكن النتيجة النهائية لا تزال بلا ملامح واضحة تقود إلى استقرارٍ فعلي في المشرق.
وشعب الأردن هو الأقرب، بكل معنى الكلمة، إلى الشعب الفلسطيني.
- المحاوِر:
هل يمكن أن تصفوا لنا ما الذي يحلم به الفلسطينيون، ليس كدولة فحسب، بل كأفراد وشعب؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
كنتُ من الذين كتبوا في السبعينيات دراسة حول حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وعلى مرّ السنوات، أصبح تقرير المصير حقاً غير قابل للتصرف للشعب الفلسطيني.
لكنني أرى أن تقرير المصير لا يقتصر على البعد السياسي وحده، بل يشمل كامل مساحة حرية التعبير. فإذا كان الإنسان—في ظل الاحتلال—غير قادر على التعبير عن رأيه، وإذا كانت الرواية السائدة هي رواية الطرف الأقوى وحده، فإن ذلك يخلق شعوراً بالتهميش، بل وبالتقليل من قيمة الإنسان ومعاناته.
وهذا يتناقض مع موجة التضامن الإنساني الواسعة التي نشهدها تجاه الفلسطينيين في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، يُعاد تفسير هذا التضامن في بعض الخطابات على نحوٍ سام؛ بحيث يصبح انتقاد الاحتلال مرادفاً لمعاداة السامية.
ونحن نجلس في هذا المتحف العريق، وحين ننظر إلى البابليين والأكاديين والسومريين، وإلى العبرانيين كجزءٍ من نسيج الشعوب عبر القرون، فكيف يمكن أن نُوصَم بمعاداة السامية ونحن جزءٌ أصيل من هذه المنطقة وتاريخها؟
إن الشعارات التي نشأت في سياقات الحربين العالميتين الأولى والثانية لا يجوز إسقاطها على منطقتنا بالمنطق ذاته. ولهذا فإن جنوب وشرق المتوسط ينبغي أن يكون الأكثر إدراكاً لأهمية المشرق وشرق المتوسط، وتأثيرهما في تشكيل الوعي والرؤية.
وإذا كنا نتحدث عن مصطلحات مثل «البلقنة» باعتبارها عنواناً للتفكك والتجزئة إلى كيانات غير قابلة للحياة، فإن هناك ما يمكن أن نتعلمه أيضاً من مفهوم «الترحال الثقافي» ومن صور التعايش التي لا تُفني الموارد ولا تُسقط الأمن الإنساني.
لكن المؤسف أن شهيتنا اليوم باتت مفتوحة على الأخذ دون حدود، وأن الجشع يجعل التعايش والتشارك أصعب من أي وقت مضى.
- المحاوِر:
ونحن هنا، في هذا المتحف الذي يجسّد كيف يمكن للثقافات والأديان أن تتعايش بسلام… هل لديكم وصفة سحرية لكيف يمكن للشرق الأوسط أن يصبح مكاناً مشابهاً؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
لن أتحدث عن وصفة سحرية، لكنني أودّ أن أستشهد بما قيل مؤخراً حول أننا نعيش حقبةً من حركات الهجرة الواسعة، وما يرافقها من إعادة ضبط عميقة في التوازنات الجيوسياسية وفي أنماط الثقافة والفكر.
لسنا فقط أمام «عصر تغيّر»، بل أمام «تغيّر عصر». وكان من المفترض أن تكون الأديان—بوصفها رسالة قيم—قد ساهمت في الانتقال من المادية والنزعات قصيرة الأمد، إلى سياسة تعزز الدبلوماسية القائمة على الحوار، لا الدبلوماسية القائمة على القوة.
فكيف نستطيع أن نتراجع عن حافة السقوط التي نقترب منها جميعاً، وعن منطق القوة والمواجهة، وعن سمّية الكراهية، ما لم نعد إلى الإنسان وكرامته، ونعيد الاعتبار إلى مبدأ حماية الإنسان، وربما—في يومٍ ما—إلى مبدأ احترامه؟
لكننا اليوم نواجه ثلاث قضايا تطارد وجودنا: الأرض، والهوية، والهجرة. والسؤال: هل باتت الدولة القومية، بعَلمها وقومياتها، مستعدة لأن تتحدث بلغة التحديات العابرة للحدود؟
لقد فاجأتنا الجائحة، لكنها لم تكن بحاجة لأن تذكّرنا بأننا لا نستطيع الاستمرار دون بعضنا البعض، ولا يمكن الحديث عن استقرار إقليمي حقيقي دون اندماجٍ وتعاون يخدم الجميع.
- المحاوِر:
ربما نحتاج إلى وسيط. والأردن تاريخياً لعب دور الوساطة في المنطقة لسنوات طويلة. هل أصبحت الوساطة اليوم معضلة في عالمٍ يميل إلى المونولوغ، وإلى التصعيد، وإلى تشكيل الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
أنا لست هنا لألقي موعظة عن ضرورة الحوار. لكنني درستُ العبرية في شبابي، على أمل أن يأتي يومٌ يمكن أن توظَّف فيه المعرفة لفهم الآخر ومخاطبته. ثم أدركتُ مع الوقت أن الآخر قد يكون نحن أيضاً، وأن الحوار يتطلب تواضعاً وصدقاً وصفاء نية.
ومن هنا، لا بد من العمل على «المشترك الإقليمي» في كل القضايا، ومنها على سبيل المثال قضية المياه. لقد أسسنا مبادرات عديدة في هذا المجال، من بينها «بلو بيس» بدعمٍ من جامعة جنيف والحكومة السويسرية، حيث قمنا بتدريب مجموعات من الشباب من تركيا وإيران والعراق ولبنان وفلسطين والأردن، وكان الإسرائيليون جزءاً من الفكرة حين كانت المنطقة لا تزال تتنفس شيئاً من أجواء ما بعد معاهدة السلام عام 1994.
لكن الدولة التي لا تلتزم بالقواعد لا يمكن أن تبني تعاوناً حقيقياً في ملفات الماء والطاقة والغذاء والنظام البيئي. وإذا كانت أوروبا قد بدأت مشروعها بالتعاون في الفحم والحديد، فلماذا لا يبدأ هذا الإقليم—وبدعم أطرافٍ أخرى—من الماء والطاقة؟
إننا بحاجة إلى مقاربة موضوعية تجمعنا، حين تعجز السياسة اليومية عن تحقيق أي تقدم. لا يجوز لنا أن نستسلم، ولا أن نتخلى عن الأمل.
- المحاور:
سموّكم، لقد قضيتم حياتكم كلها تتحدثون عن الحوار بين الثقافات والأديان. ما الذي يوقف الحوار اليوم؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
أرجو أن تعذريني، لكنني متوقف كثيراً عند ما قيل مؤخراً في هذا السياق؛ لأنه يلخّص ما عملنا من أجله منذ عام 1981، حين طلب الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك من مجموعة من الشخصيات الدولية أن تضع خطوطاً إرشادية لنظامٍ إنساني مستقل.
وقد ضمّت تلك المجموعة أسماءً بارزة من مختلف أنحاء العالم، وشاركنا في إعداد تقرير قُدّم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتلقته الجمعية بإيجابية واعتمدته بالإجماع باعتباره دليلاً نحو نظام إنساني مستقل. وأؤكد هنا كلمة «مستقل».
لكننا اليوم—للأسف—أمام نزعة استحواذية في السياسات العالمية تجعل الحديث عن «المشترك الإقليمي» بالغ الصعوبة. وأستحضر هنا قولاً بالغ الدلالة مفاده: إن الذين يشنّون الحروب لا يريدون سلاماً حقيقياً، بل يريدون السلام الذي يناسبهم هم وحدهم.
وهنا تكمن خطورة فكرة «السلام المُفصّل على المقاس»، لأنه لا يكون سلاماً إلا إذا اقترن بمنطق فرض الإرادة، وعندها يتحول إلى سلامٍ مفروض. والحقيقة التي ينبغي أن نذكّر أنفسنا بها هي أن حماية مبدأ كرامة الإنسان، وصون قدسية الحياة، ينبغي أن تكون دائماً أعلى قيمةً من أي «مصلحة وطنية» مجرّدة.
لقد أصبحت «المصلحة الوطنية» في كثير من الأحيان مقدَّمة على قدسية الحياة، وهذا ما نراه في غزة والضفة الغربية. نحن أمام أنماطٍ متعددة من العنف والانتهاك، ولا يجوز أن نصل إلى درجة يتآكل فيها حق الإنسان في الحياة والكرامة تحت أي مسمى.
نأمل أن نعيش لنشهد مستقبلاً تُحترم فيه حريتنا في التفكير المستقل، وحريتنا في الدراسة المستقلة. فهذا غير متاح اليوم كما ينبغي، في ظل هيمنة الطرف الأقوى، وإقصاء من يُنظر إليهم على أنهم مُهمّشون أو مُقتلعون من جذورهم.
وهذا يقودنا إلى حركة الهجرة الواسعة التي نشهدها، والتي تذكرني بما قالته حنّة آرندت حين أشارت إلى أن هناك من كان يعتقد في زمن الحرب العالمية الثانية أن كثيرين من البشر يمكن التعامل معهم وكأنهم «فائضون عن الحاجة». وأقول ذلك وأنا أعني تحديداً الشعوب التي جرى النظر إليها تاريخياً—وبشكل غير منصف—بوصفها أقل قيمة أو أقل جدارة.
- المحاوِر:
هل أنتم متشائمون بشأن انتصار الكرامة الإنسانية في النهاية على الحرب والصراع؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
لا أسمح لنفسي بأن أكون متشائماً. لكن السلام يبقى هدفاً صعباً، وإن كان ممكناً وواقعياً. وأعتقد أننا بحاجة إلى ثلاث قيم لا غنى عنها: التواضع لكي نعيش بصدق، والقدرة على قول الحقيقة، والشجاعة لكي نسامح.
قد يصفنا البعض بأننا «من المدرسة القديمة»، لكنني أؤمن بأن التواضع للحق، والصدق في الموقف، والشجاعة في التسامح، هي ما يصنع السلام الحقيقي.
ومع ذلك، أريد أن أؤكد أن السلام لا يمكن أن يتحقق عبر الهيمنة. لا أحد يستطيع أن يسامح شيئاً تفوح منه رائحة السيطرة والاستحواذ. السلام يُبنى بالصبر وبالعدل وبالاعتراف بالآخر، لا بفرض الأمر الواقع.
وأذكر في هذا السياق أن العدالة الدولية لم تتشكل في لحظة واحدة، بل مرت بمسارات شديدة التعقيد. إننا لا نستطيع أن نتحدث عن سلامٍ مستدام ما لم ننظر إلى مجموعة المؤشرات التي تدل على إمكانية بناء سلام، وليس فقط إلى شعارات أو أمنيات.
وفي هذا اليوم البارد، ومع ما نتوقعه من مطر وثلج، لا بدّ من أن ننظر إلى ما يجري لأهل غزة نظرة إنسانية رحيمة، وأن نتوقف عند معاناة الإنسان العادي، لأنه هو من يحمل العبء الأكبر.
- المحاوِر:
سموّكم، أنتم تنتمون إلى إرثٍ تاريخي شارك في ديناميات المنطقة لزمن طويل. ما الدرس الأبرز الذي تعلمتموه من التاريخ؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
الدرس الذي تعلمته من التاريخ هو أن «المزيد من الشيء نفسه» يتكرر غالباً. فإذا نظرنا إلى خطّ طولٍ يمتد تقريباً من شمال أوروبا، مروراً بأوكرانيا والبحر الأسود، ثم عبر المشرق وحوض النيل وصولاً إلى عمق إفريقيا، سنجد أنه يمر عبر العديد من الصراعات الكبرى في العالم.
هناك توترات إثيوبيا حول سد النهضة، وهناك الدمار في أوكرانيا، وهناك مأساة غزة، ومآسي السودان وجنوب السودان، ومآسي الكونغو. وأتساءل دائماً: لماذا تتكرر هذه المآسي بهذا الشكل؟
لقد فهمت جزءاً من الإجابة حين استمعت إلى تحليلٍ أمني يوضح أن هذا الخط بات يمثل فاصلًا بين مناطق تمتلك مستويات عالية من التكنولوجيا، وبين مناطق تمتلك ثروات معدنية وموارد طبيعية. وبالتالي لم يعد الأمر متعلقاً بمن تكون، أو بقيمتك البشرية، بقدر ما أصبح متعلقاً بما تملكه من موارد.
ونرى اليوم مسؤولين يسافرون إلى دول غربية وكأنهم يعرضون «قائمة موارد»—ماذا تريدون؟ وكأنها مائدة مفتوحة. في محاولة للحفاظ على نفوذ أو سلطة أو دور إقليمي. وهذا يؤكد أن جوهر المقاربات لم يتغير كثيراً.
فهل كان الاهتمام الحقيقي سابقاً بالإنسان في هذه المنطقة، أم بالموارد؟ لقد استُغل النفط ويُستغل، ويُستغل الغاز، ويُستغل الذهب، ولكن أين الكلمة التي تحمل معنى التعاطف الحقيقي مع نحو ثلاثمائة مليون إنسان في المشرق؟
وأشير هنا إلى أن منطقة الخليج—مع كامل الاحترام—لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الملايين، لكنها تمتلك ثروة هائلة. وهذه الحقيقة تفرض علينا أن نفكر بعلاقة «اعتماد متبادل» تعمل على إعادة ضبط مفهوم المشترك الإقليمي. لأن الاعتماد المتبادل لا يمكن أن يكتمل بين طرفٍ غنيٍ للغاية وطرفٍ مُعوزٍ للغاية، ما لم يكن هناك عدلٌ وإنصاف في توزيع الفرص والموارد والاستثمارات والمعرفة.
- المحاوِر:
سموّكم، وبصفتكم هاشمياً ومن سلالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ما الذي يجب أن تتحمّله القيادة اليوم من مسؤولية أخلاقية، في زمنٍ تتكرر فيه نماذج القيادة غير المسؤولة القائمة على العدوان والعنف والاستعراض؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
أستحضر هنا أبياتاً أعود إليها كثيراً، لأنها تختصر معنى القيادة والمسؤولية في عالمٍ مضطرب: أن تقول الحقيقة، وأن تحاول إنقاذ أرضٍ توشك على الغرق، حتى لو خذلك الجميع ولم يفهمك إلا القليل.
ليس كافياً أن يقال إن فلاناً «ينتمي» أو «ينحدر»، بل الأهم هو أن نعيش المعنى الحقيقي للمسؤولية الأخلاقية. والأنبياء—سواء السيد المسيح عليه السلام أو النبي محمد عليه الصلاة والسلام—هم منارات أخلاقية كبرى في تاريخ البشرية.
لكن السؤال هو: كيف نرتقي إلى ما طُلب منا؟ ففي المسيحية يُقال إن الودعاء يرثون الأرض. وأنا أتساءل: كم ينبغي لنا أن نكون ودعاء؟ وفي القاعدة الذهبية: «عامِل الآخرين كما تحب أن يعاملوك». وهذه كانت، بالنسبة إليّ، مبدأً رافقني لعقود طويلة.
ومع ذلك، فإن الحوار بين الأديان ليس سهلاً، لأن لكل دين عقيدته ونصوصه وفلسفته. لكن المهم أن نتذكر أن جميع الأديان تتفق—في جوهرها—على أخلاق المسؤولية الإنسانية.
وفي ظل تراجع المنظمات متعددة الأطراف، وارتفاع الأصوات التي تشكك في جدوى الأمم المتحدة وقدرتها، يصبح السؤال: ما البديل؟ إذا كانت المؤسسات الدولية تتآكل، فكيف يمكن ضبط العالم دون مرجعية إنسانية مشتركة؟
إن المقاربة المنهجية ضرورية، بحيث تصبح الأديان عاملَ تهدئةٍ وتوازن، لا مادة للاتهام بأنها تروّج للتطرف أو للحلول العسكرية والسياسية القسرية.
وأنا آمل—بصدق—أن تؤدي اجتماعاتنا المتواصلة، وخصوصاً مع الفاتيكان، ومع المؤسسات المسيحية الشرقية والغربية، وكذلك مع مفكرين وباحثين يهوداً نكنّ لهم التقدير لما قدّموه من حكمة ومعرفة، إلى أن تتحول هذه الحكمة إلى خطوات عملية يلمسها الناس على الأرض.
ويبقى السؤال الذي أراه جوهرياً: هل نحتاج إلى «الأمم المتحدة» أم إلى «الشعوب المتحدة»؟ لأن الحكومات قد تدير ظهرها للآخرين، أما الشعوب فلا تفعل. ولهذا فإن الحوار بين الناس—الناس أنفسهم—هو ما نحتاجه اليوم، وربما نستطيع عبره فتح مسارات تواصل إنساني بين المشرق والبلقان.
- المحاوِر:
هل يمكن أن نكون معاً: مشرقيين وأوروبيين وبلقانيين وعرباً… مثل شعب واحد؟ هل هي فكرة إقليمية أم رؤية عالمية؟
- سموّ الأمير الحسن بن طلال:
أرى أن البذور الثقافية لهذه الرؤية موجودة. لكن هذا لا يتحقق إذا بُني على خطوط الغاز، ومسارات التجارة وحدها. بل يتحقق إذا تأسس على تبادل ثقافي يُقدّم كرامة الإنسان على كل شيء.
إذا كان الحديث عن التعليم، وعن برامج التبادل الأكاديمي مثل «إيراسموس» وتوسّعها، نعم يمكننا أن نبني معاً. لكن إذا ترسخت الفكرة بأن البحر المتوسط بات «بحر موت»، وبات فاصلاً لا جسراً، فإن ذلك يُخالف التاريخ والأخلاق والحد الأدنى من الإنسانية التي نسعى إليها.
إننا، من حيث لا ندري، قد نُغذي التطرف الذي نزعم أننا نخافه، إذا لم نتحرك الآن عبر مسار حقيقي قائم على الحوار بين الناس، وعلى بناء مساحة مشتركة تُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية.