facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الضمان الاجتماعي" بين ضرورة الإصلاح ومسؤولية القرار


فيصل تايه
05-02-2026 10:32 AM

جاءت التصريحات الأخيرة لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، موسى شتيوي، لتعيد ملف الضمان الاجتماعي إلى واجهة النقاش العام، بعد الإعلان عن مخرجات الحوار الوطني المتعلق بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وما خلص إليه من توصيات قائمة على نتائج الدراسة الاكتوارية الأخيرة.

ولم تكن هذه التصريحات مجرد عرض لنتائج فنية، بل حملت دلالات سياسية واجتماعية عميقة، إذ كشفت بوضوح الاتجاه الذي تسير نحوه الدولة في واحد من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على حياة المواطنين.

وفق ما أُعلن، فقد ارتكزت توصيات الحوار الوطني على معطيات الدراسة الاكتوارية، التي أبرزت الحاجة إلى إجراء تعديلات جوهرية على منظومة الضمان الاجتماعي، على رأسها رفع سن التقاعد تدريجياً، وإعادة ضبط التقاعد المبكر ليصبح استثناءً لا قاعدة، وتوسيع مظلة الشمول التأميني، وتعزيز الحوكمة المالية للصندوق ، فقد تابعنا ما شدد اليه شتيوي على أن هذه التوصيات جاءت نتيجة حوار وطني تشاركي شاركت فيه نقابات، وأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وخبراء اقتصاديون، بهدف ضمان الاستدامة المالية للنظام، وحماية حقوق المشتركين الحاليين والمستقبليين.

تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها ربطت مخرجات الحوار بالدراسة الاكتوارية، مما يعكس التزام الدولة باتخاذ القرار استناداً إلى بيانات علمية دقيقة لا إلى تقديرات ظرفية، ويؤشر إلى محاولة بناء شرعية الإصلاح على أساس المشاركة والتشاور ، غير أن هذا المسار يفتح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول كيفية ترجمة هذه المعطيات الفنية إلى سياسات اجتماعية عادلة ومفهومة وقابلة للتطبيق، دون إحداث فجوة ثقة مع المجتمع.

إن رفع سن التقاعد وإعادة النظر في التقاعد المبكر لا يمكن قراءتهما كإجراءات إدارية معزولة، بل كتحول في فلسفة الحماية الاجتماعية ذاتها ، فالدولة، من خلال هذه التوجهات، تعلن أن الصيغة السابقة لم تعد قادرة على الصمود في ظل التحولات الديموغرافية، وارتفاع متوسط الأعمار، وتزايد الضغوط على سوق العمل والموارد المالية ، والسؤال الجوهري هنا: هل سيُدار هذا التحول باعتباره إصلاحاً تشاركياً متدرجاً، أم سينظر إليه المواطنون بوصفه تحميلاً تدريجياً للأعباء دون ضمانات كافية؟

على مستوى الموظفين، تحمل هذه التعديلات انعكاسات مباشرة على المسار الوظيفي والاستقرار المعيشي ، فالتضييق على التقاعد المبكر، رغم ضرورته من منظور الاستدامة المالية، يعيد طرح أسئلة جوهرية حول بيئات العمل وقدرتها على استيعاب موظفين لفترات أطول، وإمكانات الإنتاجية، والإنهاك المهني، والعدالة بين القطاعات المختلفة ، كما يفرض تحدياً إضافياً يتمثل في كيفية إدارة السنوات الإضافية في الخدمة بحيث تكون قيمة مضافة للاقتصاد، لا عبئاً صامتاً .

أما الشباب، الذين يفترض أن يكونوا الرابح الأكبر من هذه الإصلاحات على المدى البعيد، فإنهم يقفون أمام معادلة دقيقة ، فمن جهة، استدامة الضمان الاجتماعي تصب في مصلحتهم المستقبلية، ومن جهة أخرى، قد تتأثر فرصهم في سوق العمل إذا لم ترفق هذه التعديلات بسياسات تشغيل واضحة، وبرامج تحفيزية للنمو الاقتصادي، تضمن ألا يتحول بقاء الأجيال الأكبر في مواقعها إلى عائق أمام تجديد سوق العمل ، وهنا تبرز ضرورة ربط إصلاح منظومة الضمان بإصلاح أوسع لمنظومة العمل والاقتصاد.

في المقابل، يشكل توسيع مظلة الشمول التأميني أحد الجوانب الإيجابية ذات البعد الاستراتيجي، إذ يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من الهشاشة الاقتصادية للفئات التي كانت خارج نطاق الحماية ، ومع ذلك، فإن هذا التوسع، إذا لم يدار بحوكمة صارمة وآليات تحصيل عادلة، قد يخلق تحديات جديدة تتعلق بالتهرب التأميني، وضبط الاشتراكات، وضمان توازن النظام على المدى المتوسط والطويل.

وعلى مستوى الدولة، تعكس هذه التعديلات إدراكاً متقدماً بأن كلفة عدم الإصلاح أصبحت أعلى من كلفة الإقدام عليه ، لكنها في الوقت ذاته تضع المؤسسة الرسمية أمام مسؤولية مضاعفة، لا تقتصر على اتخاذ القرار، بل تمتد إلى شرح أبعاده، وإدارة آثاره الاجتماعية، والحفاظ على الثقة العامة ، فالمواطن لا يعارض الإصلاح من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى وضوح، وضمانات، وإلى شعور بأن ما يطلب منه اليوم جزء من رؤية شاملة لا حل مؤقت.

تكمن المفارقة الأساسية في أن هذه التعديلات، رغم ضرورتها، لا تمثل نهاية الطريق، بل بدايته ، فهي اختبار لقدرة الدولة على المواءمة بين منطق الأرقام ومنطق المجتمع، وبين متطلبات الاستدامة واعتبارات العدالة الاجتماعية ، ونجاحها لن يقاس فقط بإقرارها تشريعياً، بل بمدى استعداد الدولة لمراجعتها وتعديل مسارها إذا ظهرت آثار غير محسوبة.

بقي ان اقول ، ان ما طُرح في إطار الحوار الوطني، وما أُعلن عنه في تصريحات موسى شتيوي، يضع المجتمع أمام لحظة مفصلية تتطلب نقاشاً واعياً ومسؤولًا ، فالضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي، بل أحد أعمدة الاستقرار الوطني ، والإصلاح الحقيقي هو ذاك الذي يحمي المستقبل دون أن يرهق الحاضر، ويصون الدولة دون أن يضعف ثقة مواطنيها بها.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :