facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك عبدالله الثاني وإدارة التعقيد الجيوسياسي: عقل الدولة في زمن الانكسارات الإقليمية


د.مروان الشمري
06-02-2026 09:21 PM

في مرحلة تاريخية يتّسم فيها الشرق الأوسط بتآكل اليقين، وتسارع التحولات، وتعدد مراكز القوة، لم تعد القيادة السياسية تُقاس بالقدرة على الخطابة أو الاصطفاف الحاد، بل بامتلاك عقلٍ استراتيجي قادر على إدارة التعقيد، واحتواء الصدمات، وتحويل المخاطر إلى مساحات مناورة. في هذا الإطار، تمثل تجربة الملك عبدالله الثاني واحدة من أكثر التجارب العربية تماسكًا في التعامل مع بيئة جيوسياسية غير مستقرة، بل ومفتوحة على احتمالات الانفجار المستمر.

شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لحظة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الإقليمي. فقد أدرك الملك عبدالله الثاني، في وقت مبكر، أن سقوط الدولة الوطنية في أي بلد عربي لا يبقى شأنًا داخليًا، بل ينتج فراغًا أمنيًا وسياسيًا يمتد إلى الجوار. من هنا جاءت تحذيراته المبكرة من “الهلال الممتد للأزمات”، وهي تحذيرات لم تكن توصيفًا إعلاميًا بقدر ما كانت قراءة استراتيجية لانهيار منظومة التوازنات التقليدية في المنطقة.

تعامل الأردن مع هذه المرحلة بمنطق “التحصين لا المغامرة”: تعزيز الأمن الداخلي، ضبط الحدود، والانخراط الدبلوماسي الحذر مع القوى الدولية، دون الانزلاق إلى سياسات استقطاب حاد.

عندما اجتاحت موجات الربيع العربي عددًا من الدول، سلك الأردن مسارًا مختلفًا قوامه الإصلاح المتدرج لا القطيعة، والاستجابة السياسية لا الأمنية فقط. قاد الملك عبدالله الثاني عملية توازن دقيقة: فتح المجال لتعديلات دستورية وإصلاحات سياسية من جهة، والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة من جهة أخرى.

هذه المقاربة جنّبت الأردن سيناريوهات الانهيار التي شهدتها دول أخرى، وأكدت أن إدارة التحول لا تعني القفز في المجهول، بل توسيع هامش المشاركة ضمن سقف الدولة واستمراريتها.

منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، واجه الأردن واحدًا من أعقد التحديات في تاريخه الحديث. فاستضافة أكثر من مليون لاجئ سوري لم تكن عبئًا إنسانيًا فقط، بل تحديًا اقتصاديًا وأمنيًا وبنيويًا. ومع ذلك، أدار الملك عبدالله الثاني هذا الملف بمنطق الدولة المسؤولة: التزام إنساني واضح، مقابل خطاب دولي صريح يحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته.

نجح الأردن في تحويل هذا العبء إلى ورقة دبلوماسية أخلاقية، عززت موقعه كشريك موثوق، دون أن يسمح بانعكاس الأزمة على أمنه الداخلي أو نسيجه الاجتماعي.

في ظل التصعيد المتكرر في غزة، خاصة خلال حرب 2023–2024، برز الدور الأردني بقيادة الملك عبدالله الثاني كصوت عقلاني واضح في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ورفض محاولات فرض حلول قسرية أو مشاريع تهجير. تحركات الملك في العواصم الغربية، وخطابه الحازم في المحافل الدولية، أعادا التأكيد على مركزية حل الدولتين، وعلى خطورة تجاهل جذور الصراع.

الأهم أن الأردن حافظ على هذا الموقف دون أن يزجّ بنفسه في مغامرات سياسية أو أمنية، ما يعكس فهمًا دقيقًا للفارق بين الثبات السياسي والانفعال الاستراتيجي.
مع عودة التنافس الدولي الحاد بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، انتهج الملك عبدالله الثاني سياسة “التوازن الذكي”. فلم ينخرط الأردن في سياسة المحاور، بل حافظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، مستندًا إلى موقعه كدولة استقرار في إقليم مضطرب.

هذا النهج وفّر للأردن دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مستمرًا، وحمى قراره الوطني من الارتهان، في وقت أصبحت فيه كثير من الدول أسيرة تحالفاتها.

ما يلفت في تجربة الملك عبدالله الثاني هو اعتماده الدائم على “الهدوء الاستراتيجي”. ففي زمن التصعيد الإعلامي، اختار خطابًا عقلانيًا رصينًا، يدرك أن إدارة الدولة لا تُبنى على ردود الفعل، بل على تراكم الثقة داخليًا وخارجيًا.

هذه القيادة الهادئة لم تكن ضعفًا، بل كانت أداة قوة، مكّنت الأردن من عبور أزمات متلاحقة دون خسائر وجودية.

إن إدارة الملك عبدالله الثاني للملفات الجيوسياسية المعقدة تؤكد أن الحنكة السياسية ليست في تجنب الأزمات، بل في القدرة على العبور خلالها بأقل كلفة ممكنة، مع الحفاظ على ثوابت الدولة ومصالح شعبها. وفي إقليمٍ أنهكته الصراعات وسوء التقدير، يقدّم الأردن نموذجًا لدولة تُدار بالعقل لا بالانفعال، وبالرؤية لا بردّ الفعل.

هذا النموذج لا يدّعي الكمال، لكنه يبرهن أن الحكمة، حين تقترن بالخبرة والقراءة العميقة للتاريخ والجغرافيا، قادرة على حماية الدول الصغيرة في عالمٍ لا يرحم الضعفاء ولا يحترم المترددين.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما طرحه الزميل فهد الخيطان في قراءاته الأخيرة حول موقع الأردن في خضم التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة إقليميًا ودوليًا، وهي قراءات تفتح نقاشًا مشروعًا حول أدوات الفعل وحدود التأثير. غير أن التجربة الأردنية، كما تجلّت في نهج الدولة بقيادة الملك عبدالله الثاني، تؤكد أن غياب الضجيج لا يعني غياب الرؤية، وأن الابتعاد عن الغوغائية لا يعكس فراغًا في الموقف، بل انضباطًا في الإدارة واختيارًا واعيًا لأدوات التأثير. فالأردن يقرأ التحولات بعمق، ويمتلك مقارباته الخاصة التي لا تُعلن دائمًا في العناوين الصاخبة، لكنها تظهر في ثبات الموقف، واستمرارية الدولة، وحضورها المؤثر في لحظات المفصل الإقليمي. إنها إدارة صامتة، نعم، لكنها ليست حيادًا سلبيًا، بل فعل محسوب يدرك أن بعض المعارك تُدار بالعقل البارد لا بالصوت العالي، وبالتراكم المؤثر لا بالاستعراض المنفلت دون اثر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :