ثلاثة أيام عطلة… هل نضج سؤال إدارة الوقت؟
الدكتور حسين الطراونة
12-02-2026 04:00 PM
لم يعد النقاش حول العطلة الأسبوعية مسألة إدارية تقنية، ولا مطلبًا نقابيًا، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتصل بمستقبل العمل وتنظيم الزمن والإنتاجية والعدالة الاجتماعية. فالسؤال الجوهري لم يعد: كم يومًا نعمل؟ بل كيف نُدير الوقت بوصفه موردًا اقتصاديًا واجتماعيًا محدودًا، وكيف نحوّل الجهد البشري من استنزاف زمني إلى قيمة مضافة مستدامة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج أسبوع العمل من أربعة أيام، وما يستتبعه من عطلة أسبوعية تمتد لثلاثة أيام، بوصفه خيارًا سياساتيًا يستحق الدراسة الهادئة القائمة على الأدلة لا الانطباعات.
تُظهر التجربة التاريخية لعالم العمل أن تقليص أيام وساعات العمل لم يكن في أي مرحلة تراجعًا حضاريًا أو اقتصاديًا. فالانتقال من ستة أيام إلى خمسة، ومن عشر ساعات إلى ثماني، رافقته دائمًا مخاوف تتعلق بانخفاض الإنتاجية وتراجع الانضباط وارتفاع الكلفة. غير أن النتائج العملية أثبتت، في معظم الحالات، أن تحسين تنظيم الوقت ترافق مع الحفاظ على مستويات الإنتاج، بل وتعزيزها في قطاعات عديدة. واليوم، يتجدد الجدل ذاته مع أسبوع الأربعة أيام، لكن المعطيات الحديثة تشير بوضوح إلى أن الإنتاجية لا ترتبط بطول زمن العمل بقدر ارتباطها بتركيز الجهد، ووضوح الأهداف، وجودة تنظيم العمليات، وفعالية نظم المتابعة والتقييم.
لقد لجأت بعض الدول والمؤسسات إلى هذا النموذج بدافع البراغماتية الاقتصادية لا بدافع الرفاه الاجتماعي. وأظهرت التجارب المقارنة أن تقليص أيام العمل، عندما يُدار ضمن أطر تنظيمية واضحة، لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الأداء، بل يمكن أن يسهم في تحسين الاستقرار الوظيفي والصحة النفسية للعاملين، وخفض الغياب الوظيفي، ومعالجة الإرهاق الذي بات أحد أبرز أعداء الإنتاجية. وتكشف هذه التجارب أن نجاح أي نموذج جديد لتنظيم الوقت لا يرتبط بعدد الأيام بحد ذاته، بل بالإطار السياساتي الذي يُطبَّق من خلاله، وبقدرة المؤسسات على إعادة تصميم العمل وربط الوقت بالنتائج.
غير أن دراسة تقليص أيام العمل الأسبوعية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الآثار المحتملة على القطاع الخاص، الذي يشكّل المحرّك الرئيس للاقتصاد الوطني ومصدرًا أساسيًا لفرص العمل. فالمقاربات المتسرعة أو الأحادية قد تُحدث اختلالات في السوق، وتخلق فجوات غير عادلة بين القطاعين العام والخاص، وتنعكس سلبًا على التنافسية والاستقرار الوظيفي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطار سياساتي متوازن يقوم على الشراكة لا المفاضلة، ويراعي خصوصية القطاع الخاص وتنوع أنشطته، مع ضمان العدالة بين العاملين، دون الإخلال بمستوى الإنتاجية أو القدرة التنافسية للاقتصاد.
وفي هذا الإطار، تكتسب المرونة المنظمة أهمية خاصة. فالإبقاء على سقف ساعات العمل الأسبوعية بوصفه مرجعية قانونية وتنظيمية، مع السماح بتوزيع هذه الساعات بمرونة عبر أيام العمل، يتيح للمؤسسات التكيّف مع طبيعة نشاطها، ويمنح العاملين توازنًا أفضل بين العمل والحياة، ويعزز الكفاءة في الأداء. هذه المرونة، عندما تُدار ضمن أطر واضحة وقابلة للرقابة، لا تتعارض مع الحماية الاجتماعية، بل تشكل أحد شروطها في عالم عمل سريع التحول.
في السياق العربي، هناك بعض التجارب التي تشير إلى إمكانية إعادة تنظيم وقت العمل دون آثار سلبية جوهرية على النشاط الاقتصادي. وتؤكد هذه التجارب أن التحدي ليس ثقافيًا، بل تنظيميًّا وتشغيليًّا بالدرجة الأولى، وأن نجاح أي تحول في هذا المجال يتطلب تصميمًا مرحليًا قائمًا على التجربة والتقييم المستمر، لا على التعميم الفوري.
أما في الأردن، فيُطرح هذا النقاش غالبًا من زاوية الحذر المشروع، انطلاقًا من تساؤلات تتعلق بالقدرة على التجربة وكلفتها. غير أن استمرار النماذج التقليدية يطرح بدوره كلفة لا تقل أهمية، في ظل تضخم الزمن الإداري وضعف المخرجات، وارتفاع مستويات الإرهاق الوظيفي في القطاعات المعرفية، واستمرار التركيز على الحضور الشكلي أكثر من التركيز على النتائج. ومن هنا، فإن أي توجه نحو تقليص أيام العمل ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مسارًا تجريبيًا انتقائيًا، يبدأ بالقطاعات المعرفية والتنظيمية، ويترافق مع إشراك حقيقي للقطاع الخاص في تصميمه وتنفيذه.
وتُظهر التجارب أن نجاح هذا النموذج مشروط بتوافر عناصر أساسية، في مقدمتها إعادة هندسة العمل وتحديد مخرجات قابلة للقياس، وتعزيز حوكمة الأداء وربط الوقت بالقيمة المتحققة لا بعدد الساعات، إلى جانب تنظيم عمل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والخدمات الطارئة، مع اعتماد أنماط نوبات مرنة تضمن استمرارية الخدمة دون انقطاع. وفي غياب هذه الشروط، قد يتحول تقليص أيام العمل من أداة إصلاح إلى عبء اقتصادي وتنظيمي.
في المحصلة، ليست العطلة الأسبوعية الممتدة إلى ثلاثة أيام هدفًا بحد ذاتها، بل أداة سياسات عامة لاختبار نضج الدولة في إدارة الوقت والعمل بعدالة وكفاءة. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الأيام، بل بقدرة السياسات العامة على إيجاد توازن عادل بين حقوق العاملين، ومتطلبات القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاجية الوطنية. وعند هذا التوازن فقط، يصبح تقليص أيام العمل خطوة إصلاح محسوبة، لا خيارًا غير محسوب النتائج.