facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصراع غير المرئي: حين تكون المعركة مع النفس لا مع العالم


محمد عبدالحليم الفاعوري
12-02-2026 09:52 PM

يُجمع علماء النفس والفلاسفة على حقيقة جوهرية مفادها أن أعقد الصراعات التي يخوضها الإنسان ليست تلك التي تُفرض عليه من الخارج، بل تلك التي تنشأ في داخله، بعيدًا عن العيون، وفي منطقة رمادية تفصل بين الوعي والفعل. هذا الصراع الداخلي هو الأكثر قسوة؛ لأنه لا يُدار بضجيج المواجهة، بل بصمت التبرير.

في تلك المساحة الخفية بين ما يعرفه الإنسان عن قدراته الحقيقية، وما يسمح لنفسه بتحقيقه، تنشأ أعذار تبدو منطقية، ويتسلل التردد متخفيًا في ثوب الحكمة، ويتحول التأجيل من استثناء إلى أسلوب حياة. هنا لا يشعر الإنسان بأنه يتراجع، بل يظن أنه «يتأنّى»، بينما في الحقيقة هو يؤجل مواجهة ذاته.

النفس لا تُسقط الإنسان دفعة واحدة، ولا تدفعه إلى الفشل الصريح، بل تقوده بخطوات محسوبة نحو الرضا بالقليل. تُقنعه بأن السلام هو الابتعاد عن التحدي، وأن الحكمة تكمن في عدم المخاطرة، وأن القناعة تعني الاكتفاء بما هو متاح، لا السعي لما هو ممكن. وهكذا يتحول الخوف إلى مبدأ، ويصبح الانسحاب خيارًا عقلانيًا، ويُعاد تعريف الطموح على أنه تهور.

غير أن نقطة التحول الحقيقية تبدأ مع الوعي؛ والوعي هنا ليس معرفة سطحية، بل لحظة صادقة من الانتباه، يرى فيها الإنسان حواره الداخلي كما هو، دون تزييف. لحظة يسأل فيها نفسه: هل أنا من يقود حياتي فعلًا، أم أن عادتي في التراجع، وخوفي من الفشل، هما من يتخذان القرار نيابة عني؟.

هذا السؤال ليس فلسفيًا بقدر ما هو مصيري. فالإجابة عليه تحدد مسار الإنسان كله. إدراك هذا الصراع لا يعني قمع النفس أو الدخول في حرب داخلية معها، بل يعني تهذيبها، وفهم دوافعها، وتوجيهها نحو الفعل بدل الارتهان للراحة الزائفة.

القوة الحقيقية لا تتجلى في الانتصارات الكبرى فقط، بل في الاختيار اليومي المتكرر: أن تنهض رغم الضجيج الداخلي، أن تحاول رغم الشك، وأن تمضي قدمًا حتى عندما لا يكون الطريق واضحًا بالكامل. هناك، فقط هناك، يبدأ الإنسان في استعادة قيادته لحياته، لا كحالة عابرة، بل كأسلوب وجود.

فالإنسان لم يُخلق ليبقى في مكانه، بل ليتقدم… وأخطر ما قد يواجهه في هذا الطريق، ليس العالم، بل صوته الداخلي حين يُقنعه بالاكتفاء بما دون إمكاناته.

*محمد عبدالحليم الفاعوري
رئيس الهيئات الشبابية – عين الباشا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :