أموال التبرعات في غزة: من يدفع ولمن؟
أحمد عبدالوهاب
12-02-2026 10:32 PM
يعيش قطاع غزة أوضاعًا اقتصادية وإنسانية شديدة التعقيد، تتداخل فيها آثار الحصار الإسرائيلي الممتد مع تداعيات جولات التصعيد العسكري المتكررة، وانكماش فرص العمل، وتآكل مصادر الدخل الفردي. في هذا السياق الضاغط، تجد الفصائل الفاعلة، وعلى رأسها حركة حماس، نفسها أمام تحديات متراكمة في إدارة الموارد وضمان استمرارية أنشطتها الاجتماعية والتنظيمية في آن واحد.
ضمن هذا المشهد، يُثار أحيانًا في النقاش العام حديث عن قيام أفراد أو مجموعات صغيرة بجمع تبرعات بطرق غير مركزية، في ظل حديث متداول عن ضعف آليات الرقابة المالية أو عدم انتظامها. وبغض النظر عن دقة هذه المعطيات أو مدى اتساعها على أرض الواقع، فإن مجرد تداولها يعكس وجود قلق مجتمعي أوسع يتعلق بمسألة الشفافية وإدارة الأموال في بيئة تتآكل فيها الثقة بفعل الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية المتواصلة.
التبرعات، في حالة غزة، ليست موردًا ثانويًا، بل تمثل في كثير من الأحيان شريانًا أساسيًا لدعم مبادرات اجتماعية وخيرية، وأحيانًا تنظيمية. وفي مجتمع يعيش على حافة الكفاف، فإن أي مساهمة مالية – مهما كانت محدودة – تُحمَّل بتوقعات أخلاقية عالية تتعلق بحسن الاستخدام والوضوح والمساءلة. من هنا، تتحول إدارة الموارد من مسألة إدارية داخلية إلى قضية ثقة عامة، لها أثر مباشر على استعداد الناس للاستمرار في العطاء.
وإذا صح أن بعض عمليات جمع التبرعات تتم خارج أطر تنظيمية واضحة، فإن ذلك لا يمكن اختزاله في سلوكيات فردية معزولة فقط، بل قد يعكس أيضًا اختلالات بنيوية في تنظيم العمل المالي داخل أي حركة تعمل في ظروف حصار خانق وموارد شحيحة. فغياب قنوات مؤسسية مستقرة أو تأخر صرف المستحقات أو عدم وضوح آليات التوزيع، يمكن أن يخلق بيئة رمادية تتداخل فيها الحاجة الفردية مع متطلبات العمل التنظيمي، بما يضعف الانضباط ويزيد قابلية الانزلاق إلى ممارسات غير منضبطة.
كما أن غياب نظم تعويض واضحة ومنتظمة للعاملين في الميدان، أو عدم وضوح الحقوق مقابل الواجبات، قد يفاقم شعورًا بالإحباط أو التهميش لدى بعض العناصر، خصوصًا في تنظيمات تعتمد على الالتزام الأيديولوجي والعمل التطوعي طويل الأمد. ورغم أن أي تجاوز مالي يبقى مسؤولية فردية قانونيًا وأخلاقيًا، فإن البيئة التنظيمية نفسها تلعب دورًا أساسيًا في تقليص احتمالات الانحراف أو في فتح المجال أمامه.
الخطر الأكبر في مثل هذه النقاشات لا يقتصر على احتمال سوء إدارة الأموال، بل يمتد إلى الأثر التراكمي على الثقة المجتمعية. ففي بيئة مأزومة كغزة، تصبح الثقة موردًا نادرًا لا يقل أهمية عن المال نفسه. وأي انطباع بوجود غموض مالي أو ضعف رقابة قد ينعكس مباشرة على استعداد الناس لدعم المبادرات الإنسانية أو الاجتماعية مستقبلًا، فضلًا عن أن هذا الملف قد يُستثمر سياسيًا من قبل خصوم الحركة، لتوسيع دائرة التشكيك في أدائها وشرعيتها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن العمل المالي والتنظيمي في بيئة محاصرة يواجه عوائق استثنائية: قيود على التحويلات البنكية، غياب قنوات مصرفية مستقرة، مخاطر أمنية، وبنية تحتية هشة. هذه العوامل تجعل من بناء نظام مالي شفاف ومنتظم مهمة شديدة الصعوبة. غير أن صعوبة الظروف لا تلغي الحاجة إلى تطوير آليات رقابة داخلية أكثر وضوحًا، بل تجعلها أكثر إلحاحًا.
في النهاية، فإن أي حركة تسعى إلى الحفاظ على دورها المجتمعي والسياسي تحتاج إلى التعامل مع ملف الشفافية باعتباره عنصر قوة داخلية لا عبئًا خارجيًا. فتنظيم جمع التبرعات بشكل مركزي، ووضع آليات تدقيق واضحة، وضمان حقوق العاملين في الميدان، لا يقلل من قدرة الحركة على الصمود، بل يعزز تماسكها ويحد من استنزاف الثقة في بيئة لم تعد تحتمل مزيدًا من الخيبات.
في غزة، حيث كل مورد يحمل وزنًا إنسانيًا مضاعفًا، تصبح إدارة المال اختبارًا أخلاقيًا بقدر ما هي اختبار تنظيمي، وتغدو الشفافية شرطًا من شروط الصمود، لا ترفًا إداريًا يمكن تأجيله.