بقلم : ماهر ماجد البطوش
لم تعد السرقة في زمننا الحديث بحاجة إلى كسر باب أو اقتحام منزل، ولم يعد المحتال مضطر لأن يواجه ضحيته وجهاً لوجه، بل أصبحت الجريمة تُرتكب بهدوء خلف شاشة صغيرة، وبأدوات بسيطة قادرة على سلب المال والخصوصية وربما الاستقرار النفسي والاجتماعي للإنسان. فالسرقات الإلكترونية والاحتيال الإلكتروني لم تعد حوادث فردية عابرة، بل أصبحت خطر متصاعد يهدد الأفراد والمؤسسات، ويضرب الثقة العامة في التعاملات الرقمية التي أصبحت جزء من حياتنا اليومية.
ومع انتشار الهواتف الذكية، وتوسع الخدمات البنكية الإلكترونية، وتحول المعاملات إلى الدفع الرقمي، اتسعت مساحة الجريمة الإلكترونية، فأصبح المجرم قادر على اختراق الحسابات، وسرقة بيانات البطاقات البنكية، والاستيلاء على البريد الإلكتروني، أو إرسال روابط وهمية تبدو رسمية لإيقاع الضحية في الفخ. ولم يعد الأمر في هذه الجرائم مقتصر على الاختراق فقط، بل ظهر الاحتيال الإلكتروني كأخطر صورها، حيث يعتمد على الخداع والإقناع، كأن يتقمص الجاني صفة موظف بنك أو جهة رسمية، أو يرسل رسائل تدّعي وقف الحساب أو وجود جائزة مالية، فيندفع الضحية بدافع الخوف أو الطمع ويسلّم بياناته بيده.
وقد تعامل المشرّع الأردني مع هذه الظاهرة بحزم، فأقر قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023م، ليؤكد أن الفضاء الرقمي ليس مساحة بلا قانون، وأن الحسابات الإلكترونية تتمتع بالحماية ذاتها التي يتمتع بها المال والملكية الخاصة. فجرّم الدخول غير المشروع إلى الأنظمة والحسابات، وجرّم الاعتداء على البيانات أو نسخها أو العبث بها، كما عاقب على انتحال الصفة الإلكترونية واستخدام حسابات الغير بقصد الإضرار أو الخداع، وأكد أن ارتكاب الجريمة عبر الوسائل التقنية لا يُخفف من مسؤولية مرتكبها، بل يزيد خطورتها ويستوجب ردع أشد، لأن آثارها لا تقف عند ضحية واحدة، بل تمتد إلى أمن المجتمع وثقته واستقراره.
وفي كثير من الحالات تتطور السرقة إلى ابتزاز إلكتروني، عندما يسيطر الجاني على حساب أو يحصل على صور أو محادثات خاصة ثم يهدد الضحية بالنشر والتشهير، لتتحول الجريمة من اعتداء مالي إلى اعتداء على الكرامة والخصوصية، وهو ما يجعل أثرها أكثر قسوة وخطورة.
ورغم وجود النصوص القانونية، إلا أن سرعة هذه الجرائم وسهولة تنفيذها تجعل الوقاية هي السلاح الأقوى، لأن القانون يعاقب بعد وقوع الضرر، بينما الوعي يمنع وقوعه من الأصل. فالحذر من الروابط المجهولة، وعدم مشاركة رمز التحقق البنكي أو كلمات المرور، وعدم الانسياق وراء الرسائل التي تحمل استعجال أو تهديد مثل (سيتم إغلاق حسابك) كلها خطوات بسيطة لكنها تمنع خسائر كبيرة، كما أن تفعيل المصادقة الثنائية واستخدام كلمات مرور قوية ومراقبة الحسابات البنكية باستمرار أصبحت ضرورة لا رفاهية.
وفي حال الوقوع كضحية، فإن التصرف السريع هو الفارق الحقيقي، بدءاً بتجميد الحساب أو البطاقة عبر البنك، ثم حفظ الأدلة الرقمية من رسائل وروابط وتحويلات، والتوجه لتقديم شكوى رسمية لدى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، لأن الدليل الرقمي هو أساس الوصول للجاني.
وفي النهاية، فإن السرقات الإلكترونية والاحتيال الإلكتروني ليست جرائم عابرة يمكن الاستهانة بها، بل هي تهديد مباشر لأمن المجتمع وثقة الناس، وقد أحسن المشرّع الأردني حين واجهها بقانون رادع، ومع ذلك يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، لأن نقرة واحدة غير محسوبة قد تكون بداية خسارة لا تُعوّض.