إربد تبكي سيدها وراحلها المُهاب
د.طلال طلب الشرفات
05-02-2026 12:47 PM
ورحل أحد أهم أركان الرَّزانة الوطنيّة، وسيدها الكبير في أقصى شمال الوطن؛ رجل الدَّولة الصلب النَّزيه، قد يختلف مع الغير دون خلاف، وبين الشهيد الأول الحرّ ذات نداء، والعنيد المُرّ دون رياء؛ كتبت عشيرة العبيدات صفحة مشرقة من صفحات الوفاء الأردني المجيد للأرض والعرش والإنسان والسيادة، وسطّرت من شراسة نٌخِبها، وانتماء أهلها ملحمة الخلود والوفاء للأمة والوطن، وأنجبت من بين ظهرانيها عمالقة في الفكر، والعمل، والإنجاز، وشجاعة الرأي، ونبل الهدف والمآل.
لم يكن أحمد عبيدات رجل صدفة؛ بل سليل تربية أردنيّة أصيلة كلّلها البنُاة الأوائل الذين صنعوا مضامين سرديّة الدولة الناصع بحزمهم، وعزمهم وصدقهم في معركة الإنجاز، وأحد أولئك الكبار الذين ما عاقروا فساداً، وما ارتادوا سفارة حتى في أشدّ لحظات اختلافهم مع الاجتهاد الرسمي في بعض القضايا العالقة، وما ارتهنت إرادته لأجنبي؛ إن سُئُل أجاب بما يقتنع، وإن كانت النصيحة في غير وقتها أو ظرفها لاذ بالصمت الجميل المُفعم بحُلم الكبار.
رجولة الباشا عبيدات وثباته على رأيه سمة قلّما ماثلهُ فيها أحدٌ من رجال السياسة، وجهابذة النخب الذين باتوا يخطبون الودّ المُزيّف بلهفة الغارقين بشهوة السلطة دون حق، وصلابة أبا ثامر نادرة في زمنٍ أضحت المبادئ والقيم الرَّاسخة وجهات نظر في زمن الطارئين على العمل الوطني، ومشاريع الصَّلف الإقليمي وأصحاب الحقائب الجاهزة.
عبيدات أيقونة النَّزاهة الوطنيّة ورمزها الذي أنفَ الفساد؛ يستحق منا قُبلات الشَّرف وانحناءة الامتنان في زمن "البُغاث" الذين أمطروا الشَّرف الوطني بكل صنوف الضَّعف، والشَّلليلة، والفرديّة، والنَّفعية، وربما أحياناً الانحياز للأجنبي، والانقياد المُرّ لاستمراء المال الحرام، وتقويض الثقة العامّة.
كان الباشا يشبهنا في حُلمنا، وصُبحنا، وأمسنا، وما خذل كروم الزيتون، ودعاء الأمهات بأن يحفظ للوطن هويته، ولونه، وأبجديات الشمس في مُحيّا العسكر، وتضحيات أحبّاء الله من الشهداء، والنبلاء، والبناة الأوائل، وكان الشَّريف الذي ما قارف فساداً أو نادم "بُغاثاً"، سيدٌ في قومه، وكريم في وطنه، وبكته القلوب قبل العيون يوم رحيله.
دولة عبيدات؛ الحوراني العنيد، والكناني الرَّشيد يختار ألفاظه بعناية، ومواقفه بدراية حتى إذا اضطر، انتصر لقناعاته وضميره الحيّ المتّقد المُدجّج بالرجولة والصّدق والرَّزانة والثِّقة؛ حتى إذا ترجَّل أبا ثامر عن صهوة الدنيا إلى مثواه الأخير في جوار اليرموك؛ ذرفت إربد بألويتها العشرة دموع الحزن على تاج المواقف الشريفة والسيرة النقيّة، وبكى معها كلُّ أحرار الوطن عرفوا تاريخه المُشرف والمُكلّل بالغار.
رحل أبا ثامر الوفي للأرض، والعرض، والتراب، والعرش، والكرامة، والواجب، وترك الدنيا وزيفها بعد أن سطّر ملحمة من ملاحم التَّمسك بقيم النَّزاهة والعدالة، وأداء الواجب بأمانة الوطني الغيور، والرحمة لروحه الطاهرة، والعزاء كل العزاء لأبناء وبنات الفقيد وأهله وذويه، ولعشيرة العبيدات العزيزة خالص العزاء.
ولا حول ولا قوة إلّا بالله
وإنا لله وأنا إليه راجعون