الاستقرار الإدراكي للدولة في البيئات المركبة
الدكتور عادل الوهادنة
05-02-2026 02:35 PM
* من إدارة التوازن إلى صناعة الاستدامة الاستراتيجية حتى عام 2035
* من وحي اجتماع جلالة الملك مع النخب السياسية والإعلامية
النقاط الرئيسية
1. قوة الدول في القرن القادم ستقاس بقدرتها على إدارة الوعي المجتمعي بقدر قدرتها على إدارة الموارد والسياسات
2. الاستقرار الوطني يبدأ عندما يفهم المجتمع اتجاه الدولة حتى وإن اختلف مع بعض أدوات التنفيذ
3. أخطر ما تواجهه الدول الحديثة ليس المعارضة بل تآكل الثقة المؤسسية على المدى الطويل
4. الأمن الوطني لم يعد عسكرياً واقتصادياً فقط بل أصبح يشمل الأمن الإدراكي وحماية التماسك المجتمعي
5. إدارة التوازن تمثل النموذج الأكثر استدامة للدول الواقعة في البيئات الجيوسياسية المركبة
6. الإعلام الواعي يمثل خط الدفاع الإدراكي الأول في مواجهة الاستقطاب والمعلومات المضللة
7. المجتمعات الناضجة لا تبحث عن توحيد الآراء بل عن توحيد الاتجاه العام مع الحفاظ على التنوع الفكري الصحي
8. المستقبل حتى عام 2035 سيكون للدول التي تستطيع التنبؤ بموجات القلق والاستقطاب قبل تحولها إلى أزمات واقعية
في الدول التي تعمل ضمن بيئات إقليمية شديدة التعقيد، لا يكون التحدي الحقيقي هو إدارة الأحداث بقدر ما يكون إدارة إدراك المجتمع لتلك الأحداث. فالتجربة الدولية الحديثة أثبتت أن القرار السياسي مهما كان دقيقاً قد يفقد أثره إذا لم يكن مصحوباً بإطار تفسيري مجتمعي يحافظ على تماسك الفهم العام للأولويات الوطنية. ومن هنا نشأ في العلوم السياسية الحديثة مفهوم الاستقرار الإدراكي للدولة، وهو قدرة الدولة على الحفاظ على فهم مجتمعي متماسك لاتجاهاتها الاستراتيجية حتى في ظل وجود اختلاف طبيعي في الرأي العام.
الدول التي نجحت في بناء هذا النوع من الاستقرار لم تسع إلى توحيد الخطاب بقدر ما سعت إلى توحيد الاتجاه العام. فالتعدد الفكري جزء صحي من تطور المجتمعات، لكن غياب الاتجاه الواضح يفتح المجال لظهور فراغ إدراكي قد تملؤه روايات متناقضة تؤدي في النهاية إلى إضعاف رأس المال الاجتماعي الذي يمثل أحد أهم مكونات قوة الدول الحديثة.
التحليل المقارن للتجارب الدولية يشير إلى أن المجتمعات التي تمتلك مستويات مرتفعة من الثقة المؤسسية تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات السياسية والاقتصادية والأمنية. الثقة المؤسسية هنا لا تعني الاتفاق المطلق مع القرارات، بل تعني وجود قناعة عامة بأن القرار يأتي ضمن إطار حماية الاستقرار الوطني طويل المدى. وعندما تصل المجتمعات إلى هذا المستوى من النضج المؤسسي، يتحول النقاش العام من صراع حول شرعية القرار إلى نقاش حول تحسين آليات تطبيقه.
في البيئات الإقليمية غير المستقرة، يتشكل لدى المجتمعات ما يمكن وصفه بالمناعة الإدراكية الوطنية، وهي قدرة المجتمع على قراءة الأحداث ضمن سياقها الاستراتيجي بدلاً من قراءتها بشكل معزول أو انفعالي. هذه المناعة لا تتكون بشكل لحظي، بل هي نتاج تراكم طويل من إدارة الأزمات ووضوح الرسائل المؤسسية ووجود قنوات اتصال مستمرة بين الدولة والمجتمع.
في هذا الإطار، يصبح من المهم التأكيد على أن النقاش الوطني الرصين لا يقوم على تقييم الأشخاص أو محاكمة النوايا، لأن هذا المسار لا يكتمل إلا باستجماع كامل المعطيات وقد يؤدي إلى ظلم أكثر مما يؤدي إلى إنصاف. إنما النقاش الناضج يتعامل مع المواقف بوصفها أفعالاً عامة تقاس بنتائجها لا بشعاراتها. فالرفض بحد ذاته ليس قيمة، كما أن القبول ليس ضعفاً، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في كيفية إدارة الرفض وفي مراعاة السياق والتوقيت والعواقب. بعض المواقف حين تدار بمعزل عن تقدير انعكاساتها قد تنتج ضرراً يفوق ما كان يراد تجنبه، خصوصاً عندما يتحول الرأي الفردي إلى خطاب عام يقدم وكأنه التزام أو ثقافة عامة. الحكمة الوطنية لا تكمن في الذهاب إلى أقصى المواقف، بل في اختيار المسار الذي يدرأ الخطر ويقلل الكلفة ويحفظ التوازن دون إكراه المجتمع على ما لم يُجمع عليه.
التجارب الحديثة في الحوكمة تشير إلى أن الدولة تعمل فعلياً عبر ثلاث طبقات مترابطة هي طبقة صناعة القرار وطبقة تفسير القرار وطبقة التفاعل المجتمعي مع القرار. وعندما يحدث خلل في أي طبقة من هذه الطبقات يظهر ما يسمى بالشرخ الحوكمي البنيوي، وهو حالة قد لا تكون ظاهرة بشكل مباشر لكنها تضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات المستقبلية حتى لو كانت مؤسساتها قوية من الناحية التنظيمية.
التعدد الفكري في الدول المستقرة يمثل قيمة مضافة عندما يبقى ضمن إطار حماية الدولة، لكنه يتحول إلى عامل إضعاف عندما ينتقل إلى مرحلة التشكيك التفكيكي الذي يضعف الثقة العامة دون أن يقدم بديلاً عملياً قابلاً للتطبيق. التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول لا تنهار بسبب وجود اختلاف في الرأي، بل تنهار عندما تتحول الخلافات إلى صراع حول شرعية الدولة نفسها أو عندما ينهار رأس المال الاجتماعي الذي يمثل شبكة الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته.
النهج الذي يعتمد إدارة التوازن بدلاً من إدارة الاصطفاف أثبت قدرته على تقليل مخاطر الاستقطاب المجتمعي، خصوصاً في الدول التي تقع ضمن مناطق جيوسياسية حساسة. هذا النهج يقوم على قراءة المشهد الإقليمي والدولي قبل اتخاذ القرار المحلي، والحفاظ على مساحات الحوار، وتقديم الرواية الرسمية بصيغة تفسيرية تسمح للمجتمع بفهم سياق القرار ومخاطره المحتملة.
عند تحليل الاتجاهات العالمية حتى عام 2035، تظهر أربعة تحولات رئيسية ستؤثر على قدرة الدول على الحفاظ على استقرارها الاستراتيجي. التحول الأول هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى التنبؤ بالأزمات من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المجتمعية لرصد مؤشرات القلق والاستقطاب قبل تحولها إلى أزمات فعلية. التحول الثاني هو تغير دور الإعلام ليصبح جزءاً من منظومة تفسير المخاطر وليس مجرد ناقل للخبر، حيث سيصبح الإعلام أحد أدوات الاستقرار الإدراكي الوطني. التحول الثالث هو صعود مفهوم الأمن الإدراكي الوطني، حيث يصبح الحفاظ على الثقة العامة جزءاً من منظومة الأمن الوطني إلى جانب الأمن العسكري والاقتصادي. التحول الرابع هو تراجع تأثير الاستقطاب الحاد في الدول التي تمتلك مستويات مرتفعة من رأس المال الاجتماعي، لأن المجتمع نفسه يصبح خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة.
الدول التي تمتلك خبرة تاريخية في إدارة التوازن مرشحة لأن تكون الأكثر قدرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية القادمة، خصوصاً إذا استمرت في تعزيز الشفافية التفسيرية وتوسيع مساحات الحوار والاستثمار في رأس المال الاجتماعي وتعزيز العلاقة بين مؤسسات الدولة والنخب الفكرية والمهنية والإعلامية.
القوة الحقيقية للدول في العقود القادمة لن تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على الحفاظ على انسجام إدراكي وطني يسمح لها بإدارة التحولات العالمية دون أن تفقد تماسكها الداخلي. وعندما يتقارب خطاب النخب العقلانية في اللحظات المفصلية، فإن ذلك لا يعني غياب التعدد، بل يعكس مستوى متقدماً من النضج المجتمعي الذي يجعل حماية الدولة أولوية تتقدم على اختلاف المدارس الفكرية.
المستقبل سيمنح الأفضلية للدول التي تستطيع تحويل الاستقرار من حالة مؤقتة إلى حالة مستدامة مبنية على الثقة المؤسسية والوعي المجتمعي المشترك. هذا النوع من الاستقرار لن يعتمد فقط على قوة المؤسسات، بل على قدرتها على بناء علاقة ثقة مستمرة مع المجتمع تقوم على الوضوح والتفسير والاستباق في إدارة التحديات.