عبدالله الثاني .. حين يصير الملك معنى، ويصير الوطن موقفًا
بهاء الشنتير
29-01-2026 05:45 PM
ليس عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم مناسبة تُؤدّى، بل معنى يُستعاد. هو يومٌ يتقدّم فيه الأردن خطوة إلى الأمام، لا ليحتفل بالعمر، بل ليؤكد أن هذا الوطن ما زال واقفًا لأن في قمّته قائدًا يعرف كيف تُحفظ الدول، وكيف تُصان الكرامة، وكيف يُدار الزمن الصعب بعقلٍ ثابت وقلبٍ شجاع.
أربعة وستون عامًا ليست رقمًا في سجلّ، بل مسيرة رجلٍ صُقلت قيادته بالتجربة، وشُحذت حكمته في ميادين التحدي، فخرج ملكًا يعرف أن الحكم ليس امتيازًا، بل عبئًا ثقيلًا لا يحمله إلا من آمن أن الوطن قبل كل شيء.
عبدالله الثاني ليس حاكم مرحلة عابرة، بل حارس فكرة كبرى:
أن يبقى الأردن دولة لا تهتز، وقرارًا لا يُملى، وراية لا تنحني.
هو ابن الأرض التي تعلّمت الصبر من قسوتها، والكرامة من تاريخها، فحملها في قلبه كما تُحمل الأمانة، لا كما تُرفع الشعارات.
في زمنٍ تكسّرت فيه دول، وتاهت فيه بوصِلات، مضى بالأردن ثابت الخطى، لا ينجرف مع العاصفة، ولا يساوم على الثوابت. قرأ المشهد بعين الدولة، لا بعين اللحظة، فبقي الوطن واقفًا، متزنًا، عصيًّا على الانكسار، لأن في قيادته رجل دولة لا أسير ظرف.
في المحافل الدولية، لم يكن حضور جلالة الملك شكليًا ولا عابرًا. دخلها حاملًا اسم الأردن كما يُحمل السيف: شرفًا ومسؤولية. خاطب العالم بلغة الحق، وقال إن كرامة الإنسان أصل لا فرع، وإن السلام الذي لا عدل فيه وهم، وإن الصمت عن الظلم سقوط أخلاقي. فأنصت العالم، لأن من يتكلم باسم شعب صادق لا يحتاج إلى ضجيج.
وعربيًا، كان الملك صوت الاتزان حين ارتفع الصخب، وحكمة الموقف حين اختلّ الميزان. لم يفرّط بعروبة الأردن، ولم يتاجر بالقضايا، وبقيت فلسطين في قلب خطابه كما هي في وجدان شعبه، وبقيت القدس أمانة هاشمية لا تُؤجَّل ولا تُساوَم. دافع عنها في كل محفل، كما يُدافع الإنسان عن بيته الأول، لأنها ليست ملفًا سياسيًا، بل شرف تاريخ.
وطنيًا، لم يكن عبدالله الثاني بعيدًا عن الناس، ولا معزولًا في القرار. عرف البادية كما عرف المدن، وسمع وجع القرى كما سمع صوت الدولة. آمن أن الأردني هو الثروة التي لا تنضب، وأن العدالة هي العمود الذي إن استقام استقام كل شيء. فبنى دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص، وربط الإصلاح بالمسؤولية، والقوة بالقيم، لا بالقهر.
وفي الميدان، حيث تُختبر صدقية القيادة، كان القائد الأعلى حاضرًا نهجًا وعقيدة.
القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ليست في عهده سلاحًا فقط، بل ذاكرة وطن، وسور كرامة. هناك، على الحدود، حيث يقف الجندي ثابتًا كالجبل، يقف الملك معنويًا معه، لأن الأرض التي لا يحرسها أبناؤها لا تُصان.
أما حب الشعب له، فليس شعارًا يُرفع، بل علاقة وُلدت من الصدق، وترسّخت في الشدائد. أحبه الأردنيون لأنه لم يهرب من الحقيقة، ولم يبع الوهم، ولم يتركهم وحدهم في الطريق. أحبّوه لأنه يشبههم في الصبر، ويشبه أحلامهم في العناد، ويشبه الوطن في صلابته.
في عيد ميلاده الرابع والستين، لا يكتب الأردنيون تهنئة، بل يجددون عهد ثقة.
ثقة بملكٍ جعل من الراية هوية،
ومن الجيش عقيدة،
ومن الأرض شرفًا،
ومن الشعب قلب الدولة النابض.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين،
ملكًا إذا ذُكر الوطن ذُكر معه،
وقائدًا إذا اشتدّ الظلام كان أول من يقف في الضوء،
ليبقى الأردن، بقيادته وشعبه، وطنًا لا ينحني… ولا يُكسَر.