من الرياض إلى عمّان .. ماذا تعلّمنا من إدارة نزاعات مشاريع الطاقة العملاقة؟
المحامي اسامة البيطار
06-02-2026 03:08 AM
لم يعد الحديث عن الطاقة في العالم الحديث محصورًا في الإنتاج والأسعار، بل أصبح يدور في جوهره حول إدارة المخاطر والنزاعات التي ترافق مشاريع بمليارات الدولارات، تُنفّذ في بيئات قانونية وتنظيمية متغيّرة، وتحت ضغط سياسي واقتصادي متسارع.
هذا ما بدا واضحًا في عدد من الجلسات المتخصصة التي عُقدت مؤخرًا في الرياض ضمن أسبوع النزاعات الدولي، حيث ناقش خبراء دوليون وقانونيون وممارسون مسألة غالبًا ما تُهمَل في منطقتنا أن أخطر ما في مشاريع الطاقة ليس فشلها، بل النزاعات التي تنشأ عندما لا تفشل ولكن لا تسير كما خُطِّط لها.
وهنا يبرز سؤال مشروع: ماذا يعني هذا النقاش للأردن؟
أولًا: المشكلة ليست في الطاقة… بل في العقود
التحوّل نحو الطاقة المتجددة – من شمس ورياح وهيدروجين – يُقدَّم عادةً كقصة نجاح تقني وبيئي غير أن التجربة الدولية، كما طُرحت بوضوح في الرياض، تُظهر أن الجزء الأكثر هشاشة في هذه المشاريع ليس التكنولوجيا، بل الإطار التعاقدي الذي يحكمها.
فمشاريع الطاقة الحديثة تتميّز بعدة خصائص تجعل النزاع شبه حتمي إن لم يُدار مسبقًا:
1- تقنيات جديدة أو غير مجرّبة على نطاق واسع
2- جداول زمنية طموحة
3- اعتماد كبير على سلاسل توريد عالمية
4- تغيّر مستمر في التشريعات والسياسات الحكومية
في مثل هذه البيئة، الافتراض بأن “كل شيء سيسير كما هو مخطّط” لم يعد افتراضًا قانونيًا معقولًا.
وهذا ينطبق علينا في الأردن كما ينطبق على غيرنا.
ثانيًا: النزاعات لا تنشأ فقط عند الفشل
من الأخطاء الشائعة في التفكير القانوني أن النزاعات تظهر فقط عندما يفشل المشروع أو يتعثر. ما طُرح في الرياض – وهو درس مهم – أن أغلب النزاعات تنشأ في المشاريع التي استمرّت ولكن تغيّرت ظروفها.
أمثلة ذلك كثيرة تغييرات في التصميم أثناء التنفيذ و تحديثات إلزامية في المواصفات أو المعايير و ارتفاع غير متوقّع في الكلفة و تأخيرات بسبب ظروف خارجة عن الإرادة و تغيّر السياسات الداعمة أو الحوافز الحكومية
هذه ليست حالات “خرق عقد” بالمعنى البسيط، بل مناطق رمادية، إن لم تُنظّم تعاقديًا بذكاء، تتحوّل إلى نزاعات معقّدة ومكلفة.
ثالثًا: أين نقف نحن في الأردن
الأردن ليس بعيدًا عن هذا المشهد. لدينا مشاريع طاقة كبيرة، وشراكات مع القطاع الخاص، وتمويل دولي، والتزامات طويلة الأجل. لكن السؤال الجوهري هو:
هل نُصمّم عقودنا وكأن النزاع احتمال استثنائي، أم كواقع محتمل يجب الاستعداد له؟.
في كثير من الحالات، لا تزال العقود تفتقر إلى آليات حل نزاع مبكر و تعتمد على صيغ تقليدية لا تراعي طبيعة مشاريع الطاقة الحديثة و تُرحّل كل إشكال محتمل إلى التحكيم أو القضاء في مرحلة متأخرة
بينما التجربة الدولية تُظهر أن أفضل نزاع هو ذاك الذي يُحتوى قبل أن يتفاقم.
رابعًا: التحكيم وحده لا يكفي
التحكيم أداة مهمة وضرورية، لكنه ليس الحل الوحيد ولا الأول دائمًا. من أبرز النقاط التي طُرحت في الرياض الدعوة إلى:
أ- الخبرة الفنية الملزمة (Expert Determination)
ب- آليات تصعيد تدريجية للنزاع
ت- إدارة النزاع أثناء حياة المشروع لا بعد انتهائه
هذه الأدوات لا تُضعف موقف أي طرف، بل تحمي المشروع نفسه، وتُبقي النزاع ضمن حدوده الفنية والمالية قبل أن يتحوّل إلى صراع قانوني طويل.
وهنا، من المهم أن نعيد التفكير في ثقافتنا التعاقدية، لا في قوانيننا فقط.
خامسًا: القضاء والإنفاذ… عنصر الثقة
من النقاشات اللافتة أيضًا في الرياض الحديث عن تطوّر منظومات الإنفاذ في المنطقة، وأثرها المباشر على ثقة المستثمرين. فالتحكيم، مهما كان متقدّمًا، يفقد قيمته إن لم يكن قابلاً للتنفيذ بكفاءة.
بالنسبة للأردن، ورغم التطوّر التشريعي والقضائي، يبقى التحدّي قائمًا في:
1- سرعة الفصل
2- وضوح المعايير
3- التوازن بين حماية الاستثمار والمصلحة العامة
وهي معادلة دقيقة، لا تُحل بالشعارات، بل ببناء ثقة قانونية تراكمية.
سادسًا: الدرس الأهم
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من مؤتمر الرياض – والتي تهمّنا محليًا – أن التحوّل في قطاع الطاقة ليس مسألة تقنية فقط، بل مسألة حوكمة قانونية.
الطاقة المتجددة قد تكون “خضراء”، لكن النزاعات التي تنشأ عنها قد تكون “مكلفة جدًا” إن لم نُحسن إدارتها منذ البداية.
إذا كان الأردن يسعى بجدية إلى تعزيز موقعه في مشاريع الطاقة والاستثمار طويل الأجل، فإن الخطوة الأولى ليست فقط في توقيع الاتفاقيات، بل في إعادة التفكير بكيفية صياغتها، وإدارة مخاطرها، واحتواء نزاعاتها قبل أن تنفجر.
فالتحوّل الحقيقي لا يبدأ من الألواح الشمسية ولا من التوربينات، بل من العقد الجيد، والرؤية القانونية الواقعية، والاستعداد للاختلاف قبل وقوعه.