facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأب جورج ديمون .. حين كانت التربية رسالةً لا وظيفة


الأب د. بسام شحاتيت
13-02-2026 01:13 PM

“دار اللطف” في العقبة: سيرة رجلٍ صنع أجيالًا بصمت

في مدينةٍ بحريةٍ هادئةٍ على أطراف الوطن، وُلدت حكاية تربوية استثنائية لم تكن مجرد مشروع مدرسة، بل كانت رؤية إنسان آمن بأن التعليم رسالة، وأن التربية قبل المناهج، وأن اللطف أساس البناء. إنها حكاية الأب جورج ديمون، مؤسس مدرسة دار اللطف للروم الكاثوليك في العقبة، الذي ترك أثرًا يتجاوز الجدران والسنوات.

من البدايات المتواضعة إلى صرحٍ تربوي
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لم تكن مدرسة “دار الطفل” – الاسم الأول للمؤسسة – سوى تجربة تعليمية ناشئة بعدد محدود من الطلبة وإمكانات بسيطة. إلا أن الإيمان بالفكرة كان كبيرًا.

تروي السيدة مريم محمد عبد القادر الرياطي، المديرة السابقة للمدرسة، والتي التحقت بها معلمة عام 1970 قبل أن تتولى إدارتها عام 1975، أن الأب جورج لم يكن ينظر إلى المدرسة كمبنى، بل كمساحة لصناعة الإنسان.

تقول: “بدأنا بعدد قليل من الطلبة، لكن الثقة كانت تكبر عامًا بعد عام. لم تكن الإمكانات كبيرة، إلا أن روح العائلة كانت حاضرة في كل تفصيل.”
ومع توسع المدرسة حتى الصف السادس الابتدائي، سعى الأب جورج إلى تأمين أرض وبناء مقر دائم في منطقة “بريكسات الجيش”، ليبدأ فصل جديد من مسيرة الاستقرار والتوسع.


قائدٌ… وأبٌ للجميع
لم يكن الأب جورج مديرًا إداريًا تقليديًا، بل كان حاضرًا في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية. يتفقد الصفوف، يراجع دفاتر الطلبة، يتابع المعلمات، ويحرص على أن تكون العلاقة داخل المدرسة قائمة على الاحترام والانضباط دون قسوة.

عرفه الجميع بسيارته الزرقاء الصغيرة التي تجوب شوارع العقبة، وبزياراته المتواصلة للأهالي، مسلمين ومسيحيين، دون تمييز. كانت المدرسة مساحة جامعة، تُحترم فيها التعددية، ويُدرس فيها الدين الإسلامي والمسيحي كلٌ بمعلمه المختص، في إطار من الانسجام المجتمعي.
تؤكد الرياطي: “لم نشهد يومًا عنفًا في المدرسة. كان يؤمن بأن التربية تقوم على التوجيه لا العصا.”

فلسفة تربوية سبقت زمنها
تميّزت دار اللطف بخيارات تربوية متقدمة لوقتها؛ اعتماد دفتر الواجبات كوسيلة تنظيمية، التشديد على الزي المدرسي الموحد، الاهتمام بالموسيقى والنشاطات اللاصفية، وتأسيس فرقة “كورال العقبة” التي شاركت في مناسبات رسمية.
كما اهتم الأب جورج بالجانب النفسي للطلبة، مستندًا إلى خلفيته الأكاديمية في علم النفس، مؤمنًا بأن الطفل يحتاج إلى بيئة آمنة بقدر حاجته إلى المعرفة.
حتى في الظروف الإقليمية الصعبة، حرص على تجهيز المدرسة بملجأ وتدريب الطلبة على إجراءات السلامة، في مشهد يعكس حسًا بالمسؤولية يتجاوز حدود التعليم.

مدرسة للجميع… ورسالة تتجاوز الطوائف
واحدة من أبرز سمات التجربة كانت انفتاحها المجتمعي. لم تكن المدرسة حكرًا على طائفة، بل كانت مقصدًا لأبناء المدينة جميعًا. وكانت الرسوم المدرسية رمزية، مراعاةً للأوضاع المعيشية، وكثيرًا ما قُدمت التسهيلات للأسر المحتاجة.
وقد زارت المدرسة شخصيات وطنية بارزة، من بينها الملكة نور الحسين وسمو الأميرة بسمة بنت طلال، في محطات شكلت دعمًا معنويًا كبيرًا للمؤسسة الناشئة آنذاك.

خريجون في مواقع المسؤولية
على مدار عقود، خرّجت دار اللطف أجيالًا تقلدت مواقع متقدمة في الدولة، من أطباء ومهندسين وأكاديميين إلى شخصيات عامة خدمت الوطن في مجالات متعددة.
وتشير الرياطي إلى أن كثيرًا من هؤلاء عادوا ليقدموا الدعم لمدرستهم الأم، في صورة تعكس عمق الانتماء الذي زرعته في نفوس طلبتها.

المرض… والوداع الصامت
في سنواته الأخيرة، أصيب الأب جورج بسرطان الجلد، وبدأت صحته بالتراجع تدريجيًا. ورغم الألم، ظل متابعًا لشؤون المدرسة قدر استطاعته، إلى أن وافته المنية في الثلاثين من أيلول عام 1998.
كان وداعه مشهدًا إنسانيًا جامعًا، شارك فيه أبناء العقبة بمختلف أطيافهم، في تأكيد على مكانته التي تجاوزت الإطار الكنسي لتصبح رمزًا وطنيًا محليًا.
وقبل عام من رحيله، كُرّم كأول شخصية تربوية على مستوى محافظة العقبة، تقديرًا لعطائه الممتد.

إرثٌ من اللطف
اليوم، وبعد مرور سنوات على رحيله، ما زال اسم “دار اللطف” يرتبط بفلسفة تربوية واضحة: التربية قبل التعليم، والرحمة قبل العقاب، والإنسان قبل كل شيء.
لقد عاش الأب جورج حياة بسيطة، متقشفة، بعيدة عن الأضواء، لكنه ترك إرثًا عميقًا في ذاكرة مدينة بأكملها.

إنها قصة رجلٍ آمن بأن المدرسة ليست جدرانًا… بل قلوبًا تنمو بالحب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :