facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوطن ليس مكانًا .. الوطن معنى، والملك روح


بهاء الشنتير
06-02-2026 03:24 PM

الأوطان ليست خطوطًا على الخرائط، ولا حجارة تُرصّ، ولا تاريخًا يُعدّ بالسنين. الأوطان أرواح، نبضٌ حيّ، ذاكرةٌ تهتز في وجدان من يعيشها. وفي الأردن، لم يكن التاريخ مجرد أيام تمرّ، بل فعل أخلاقي، صرخة صامتة في أعماق الزمن، كتابة الصبر على صفحات الأرض، وحفر الطمأنينة في قلب الفوضى. هكذا نقش الحسين بن طلال اسمه في الضمير، ليس بالحبر، بل بالوفاء، ليس بالسلطة، بل بالأثر الذي لا يشيخ، وبالمعنى الذي لا يموت.

الحسين لم يترك إرثًا من القرارات فقط، بل ترك فلسفة وجود، مدرسة للحياة، قانونًا للحكم، ودليلًا على أن الوطن أكبر من الخوف، أوسع من الصمت، أعمق من النزاع. عاش كجذرٍ يغوص في الأرض القلقة، فصار الأردن شجرةً لا تنكسر، لأنها تعرف أن العواصف تصنع العمق، وأن الجذور التي تغوص في المعنى لا تهزها رياح الزمن، ولا صرخات اللحظة.

لم يكن الحسين زعيم مرحلة، بل ضميرها كله، صدى الأمانة، ونبض الوفاء. حمل الأردن كما تُحمل الأرواح، وحمل قضايا الأمة كما يُحمل الجرح، لا للمزايدة، بل للوفاء. صار صوته عربيًا حين يصمت الآخرون، وحكيمًا حين يعلو الصراخ، وثابتًا حين تتبدّل الاتجاهات، كالصخرة التي تعرف أنها جزء من الأرض نفسها، لا تتزحزح، لا تنكسر، لا تُقاس بالزمان.

وحين غاب الجسد، بقي المعنى حيًّا، انتقل من العرش إلى القلب، ومن السلطة إلى التاريخ، ومن الزمان إلى الخلود.

جاء عبدﷲ الثاني، ليس امتدادًا شكليًا، بل استمرارًا فلسفيًا لفكرة الدولة الهاشمية: دولة تعرف نفسها، فلا تضل، وتعرف حدودها، فلا تتراجع عن الحق، ولا تتقدّم على المبدأ. لم يكن التحديث زينة سياسية، بل معركة وعي، ولم يكن الإصلاح شعارًا، بل مسارًا شاقًا يُدار بعقل باردٍ وقلب مشتعل، نار تحرق القليل من الخوف لتضيء العالم.

قاد الأردن بفهم أن العالم لا يُدار بالنوايا، بل بالمواقف، فصاغ مكانة تُحترم، وحضورًا يُصغي له الآخرون، لأن خلفه صدقٌ لا صخب، وموقفٌ لا ينكسر. وفي زمن اختلطت فيه البوصلات، بقي الموقف الأردني واضحًا كالشمس: فلسطين ليست ملفًا، بل روحٌ حية، والقدس ليست عنوانًا سياسيًا، بل أمانة تتنفس في وجدان التاريخ، ترفع الرأس قبل اليد، وتعلّم العدل قبل القوة.

تحت الوصاية الهاشمية، لم تكن القدس عبئًا، بل شرفًا يُحمل بثبات، لأن من يحرس المقدسات لا يفعل ذلك بالقوة، بل بالشرعية، ولا بالصوت العالي، بل بالموقف الذي يصنع أسطورة.

هكذا يتشكّل المشهد الأردني: ملكٌ راحل صنع المعنى، وملكٌ حاضر يحميه من الانحلال، وشعبٌ يعرف أن الأوطان لا تُورّث، بل تُصان بالوفاء الذي يتدفق من القلب إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء. إنها حكاية وطن لم يتكئ على الصدفة، بل على سلالةٍ من الحكمة، دولة تعرف أن البقاء ليس للأقوى، بل للأصدق قضية، وللأوفى لإنسانه، وأن المجد الحقيقي يُصنع من صمت الأبطال، لا من ضجيج الملوك.

وفي هذا الامتداد الهاشمي، لا يُكتب التاريخ كي يُقرأ، بل كي يُكمَل، كي يتحوّل كل يوم درسًا في معنى أن تكون حرًا، مسؤولًا، حيًا في وطن يتنفس معنا ويكبر معنا، كما يتنفس النهر، ويكبر الشجر، ويخفق القلب… ويبقى الوطن روحًا لا تموت، وأساطير لا تندثر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :