سجال بين الماضي والحاضر والمستقبل
محمد مطلب المجالي
15-02-2026 01:03 PM
انقسم المجتمع بين من يشده الماضي إلى الوراء، ومن يدفعه المستقبل إلى الأمام. وبين هذين الاتجاهين يقف الحاضر حائرًا: أيرثُ الندم أم يصنع الأمل؟
الماضي تاريخٌ كان… وسيبقى ما كان. انقضى بخيره وشرّه، بأفراحه وأتراحه، بصوابه وأخطائه. لا يمكن محوه، ولا يجوز إنكاره، لكنه أيضًا لا يصلح أن يكون وطنًا دائم الإقامة. فالتاريخ سجلٌّ للعبرة لا مقعدٌ للجمود، ومرآةٌ للفهم لا سريرًا للحنين.
وبوصفي ممن تخصّصوا في التاريخ، تعلّمت أن التاريخ لم يُكتب للتسلية، ولا ليكون مادةً للتغنّي بالماضي، بل صيغ ليكون موعظةً وعبرة، ومخزنًا للدروس التي تُهدي الحاضر وتُنقذ المستقبل من تكرار الأخطاء.
أما الذين يصرّون على إعادة اجترار الأمس، فإنهم يراهنون على زمنٍ لا يعود، ويطلبون من عقارب الساعة أن تمشي إلى الخلف. وما أسوأ أن تتحول الذاكرة إلى قيد، وأن يصبح الماضي سيفًا مسلطًا على الحاضر، يُعطّل الفعل ويُصادر القرار ويُربك الرؤية.
نرفع القبعات لمن كتبوا فصولًا مشرّفة في تاريخ الوطن، وننحني احترامًا لمن ضحّوا وبنوا وساهموا، لكن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بالبكاء على أطلالهم، بل باستكمال الطريق الذي بدأوه، وتصحيح ما أخطؤوا فيه، والبناء على ما أنجزوه. فالذين رحلوا أدّوا دورهم، وتركوا لنا واجبنا.
المستقبل ليس سرديةً رومانسية ولا حلمًا مؤجّلًا، بل معركة وعي، ومشروع عمل، ومسؤولية أجيال. هو السؤال الأكبر الذي يجب أن ننشغل به: ماذا سنترك لمن بعدنا؟ خرابًا نُبرّره بالتاريخ، أم وطنًا نصنعه بالإرادة؟
إن الأمم التي تعيش على أمجادها فقط، تموت بها. والأوطان التي تخاف من مواجهة المستقبل، تُعاقَب بالتراجع. فلا نهضة لمن يكتفي بسرد الحكايات، ولا تقدّم لمن يلوذ بالماضي كلما تعثّر الحاضر.
نحتاج اليوم إلى عينٍ بصيرة لا عينٍ باكية، إلى عقلٍ يبني لا ذاكرةٍ تجترّ، إلى خطابٍ يُوقظ لا خطابٍ يُنوّم. نحتاج أن ننتقل من ثقافة “كان” إلى ثقافة “يكون”، ومن منطق التبرير إلى منطق الفعل.
فالماضي لا يُغيَّر، لكن المستقبل يُصنع.
والتاريخ لا يُعاد، لكن يُفهم.
والأوطان لا تُبنى بالحنين، بل بالجرأة على التغيير.
والأمم الحيّة، هل تنظر إلى الماضي لتتألّم، أم إلى الحاضر لتتأمّل، وتصنع من وعيها بالماضي جسورًا تعبر بها إلى المستقبل؟
المستقبل هو الذي يدفعنا إلى الأمام، لا الأمس الذي يثقل خطواتنا، ولا الحاضر الذي نضيّع فيه الفرص.
دعونا نُكرم أمسنا دون أن نُسجَن فيه، ونصالح حاضرنا دون أن نُدلّله، ونُعدّ مستقبلنا دون خوف أو رمدٍ في البصيرة.
فالأمم التي تنظر إلى الخلف طويلًا، تتعثّر.
والأمم التي ترى الأمام بوضوح… تمضي.