facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد


نادية ابراهيم القيسي
16-02-2026 12:22 AM

أن تكون إعلاميًا في زمن أصبح فيه الحرف رهينة، والتعبير جريمة، والحقيقة مكبلةً بالتفاف ألف سوط وسوط يجلد فيهما الناشر قبل الناطق، فإنك غدوت كما القابض على الجمر في زمن ساد فيه تغييب الضمير الحي واستباحة الفكر الرشيد نحو سيكولوجية القطيع، بقوانين احتكارية وأخرى احترازية، وصراعات عشوائية، انبثقت من تطور العوالم الافتراضية بكل ما تشملها من غوغائية، لتغدو الحقيقة المجردة أخطر سلاح بمنظور استبدادي، وأضعف الإيمان بمنظور عقائدي.

إن الإعلام الحقيقي ليس بناقل أخبار، أو وسيلة ترويج أو ترف باذخ في حاضرٍ كادح، بل هو نضال بالقول حين يصبح سرد الصدق باهظ الثمن، ويكون الصمت عنه خيرًا من ألف ندم. فكل حرف يُكتب يحمل ثقل الواقع، وكل كلمة تُنطق تختبر الصمود في وجه الطغيان، وكل صورة تُلتقط تكشف زاوية من ظلام دامس لا يراه إلا من يمتلك الشجاعة ليقرأ ما بين السطور. لذا فإن الإعلام الواعي مستهدف بمجمله عالميًا من زناديق الكيانات العظمى بلا تفريق ما بين جنس أو عرق أو دين أو شعوب، لطمس كل ما يُظهر خبايا الظلم والبطش، ليكون التنكيل بأشكاله مما قد يصل إلى حد الاغتيال أحيانًا عقوبة للمهنية الاحترافية، وأبلغ دليل على ذلك استشهاد مئات الإعلاميين والصحفيين في شتى أنحاء العالم أبان الحروب وخارجها.

إن كل صحيفة، إذاعة، منصة، هي ميدان للأمانة والنزاهة، فالساحة الإعلامية اختبار أخلاقي للضمير الإنساني. بكلمة حرة نقية، مضاءة بنور الإخلاص واليقين، تتجاوز القيود وتتخطى المدى لآفاق العلو، وترسّخ بوضوح الخط الفاصل ما بين الوظيفة والرسالة… بين من يكتب ليحيا، ومن يكتب ليشهد. فتصبح الرواية أبدية تحكي واقعًا مفجعًا أمام الخرس القاتل لمجتمع دولي يراقب، يحنث بالوعود، يتنكر للوقائع، ويختار الصمت القابع في محراب الانحياز الغاشم.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الإعلام العالمي بوصفه فاعلًا لا مراقبًا، وشريكًا بالصمت أو بالانتقاء حين تُرتكب الجرائم تحت عباءة القوة والنفوذ. فليست كل الجرائم سواءً في ميزان التغطية، ولا كل الضحايا يُمنحون الحق ذاته في الظهور أو التعاطف. ثمة وقائع تُدفن عمدًا تحت طبقات كثيفة من الإلهاء، وملفات تُطوى لا لأنها أُغلقت قانونيًا، بل لأنها باتت محرجة أخلاقيًا لمن يمتلك مفاتيح السرد والقرار. في هذا السياق، لا يغيب التساؤل حول الكيفية التي تُدار بها أجندات الأخبار العالمية، وكيف يُعاد تعريف “الأولوية” بما يخدم منظومة مصالح متشابكة، تجعل من بعض الحقائق عبئًا يجب التخفف منه، لا مسؤولية يجب كشفها.

غير أن هذا التعتيم -مهما طال- لم يكن مطلقًا. إذ أثبتت الصحافة الاستقصائية، عبر تاريخها الحديث، أنها القوّة القادرة على إحداث الشقوق في الجدران المصمتة، وأنها الصوت الذي لا يرضخ بسهولة لسطوة المال أو النفوذ أو الحصانة غير المعلنة. فبجهد تراكمي ما أعياه الصبر، وبالاعتماد على الوثائق والشهادات والربط المنهجي، نجحت أقلام جريئة في كشف شبكات معقّدة من الانتهاكات والاستغلال، كانت تُدار في الظل، وتُحاط بحماية سياسية وإعلامية كثيفة. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين إعلام يكتفي بإعادة تدوير الرواية الرسمية، وصحافة ترى في البحث عن الحقيقة واجبًا أخلاقيًا لا يسقط بالتقادم.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كثرة المنصات، بل على شجاعة المحتوى ونزاهة المنهج. فحين تتراجع القوى الإعلامية عن دورها الرقابي، يتحول السكوت إلى تواطؤ، وحين تنهض الصحافة الاستقصائية، ولو بأدوات محدودة، تستعيد الكلمة قدرتها على الإدانة، وتفرض على العالم أن ينظر، ولو متأخرًا، إلى ما كان يُراد له أن يبقى طيّ الكتمان كما في أوج البساتين العالمية الإجرامية المستترة في جزر نائية مترفة.

الإعلام الحر أن تبقى الحقيقة كما هي، واضحةً جليّةً بلا تزييف أو تنقيحٍ انتقائي، تعطي صوتًا لمن لا صوت له، ومنبرًا لكل من يجرؤ على قول الحق، ومساحةً للذين يختارون مواجهة النوائب بدل الانصياع لضغوط المحن؛ فتروي الوقائع كما يجب أن تُروى، وتبقى الشهادات الإنسانية حيّةً، سردية مُوثقة عبر التاريخ، تجربةٌ مستمرة، ودعوةٌ للتفكير، وفضاءٌ للتغيير بالالتزام الواعي بالنزاهة والشفافية نحو المساءلة وإرساء العدالة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :