هنالك مقولة منسوبة إلى الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز: "سأقول كل ما أفكر به، لكنني حتمًا سأفكر في كل ما سأقوله".
هذه ليست عبارة عابرة تُقال على هامش الحياة، بل خلاصة تجربة إنسان عاش مع الكلمة وعرف ثقلها. فهي لا تدعو إلى انفلات اللسان، بل إلى يقظة الضمير، ولا تبارك التهور، بل تمجّد المسؤولية.
فبين الفكر والقول مسافة اسمها الحكمة.
هناك حكمة عربية أصيلة تقول: «ليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يُقال حضر أوانه». وهذه العبارة تختصر فلسفة القول في أعمق معانيها. فالمعرفة ليست استعراضًا، والبوح ليس فضفضة بلا ضوابط، والكلمة ليست صوتًا عابرًا في الهواء، بل فعلًا يترك أثرًا، وربما يصنع مصيرًا. فهل يستطيع الإنسان أن يقول كل ما يفكر به؟
من حيث المبدأ، نعم. لكن من حيث النضج، ليس كل ما يُفكَّر فيه صالحًا أن يُقال. فليس كل خاطر رأيًا، وليس كل رأي حكمة، وليس كل حقيقة قابلة للتلقي في كل زمان ومكان.
أما عن مجتمعاتنا، فنحن نرفع شعار حرية التفكير وحرية التعبير، لكن السؤال الأعمق: هل نحتمل تبعاتهما؟ الكلمة قد تفتح باب إصلاح، لكنها قد تفتح أيضًا باب خصومة. وقد جرَّت عبر التاريخ على أصحابها متاعب جسام، لأنهم قالوا ما آمنوا به في بيئات لم تكن مستعدة لسماعه.
ومع ذلك، فالتراجع عن قول الحق ليس فضيلة، والصمت الدائم ليس حكمة. غير أن الجرأة تحتاج إلى ميزان، والصدق يحتاج إلى أسلوب، والموقف يحتاج إلى توقيت. فالتوقيت جزء من الحقيقة، واللغة جزء من الرسالة، والروح التي تُقال بها الكلمة قد تكون أهم من الكلمة نفسها.
من حقي الشخصي أن أقول ما أفكر به، لكن من واجبي الأخلاقي أن أفكر مليًّا فيما سأقوله. خلقنا الله أحرارًا في عقولنا، لا سلطان لأحد على مساحات تفكيرنا. وهذه حرية أصيلة لا تُصادَر. أما التعبير، فهو حق أيضًا، لكنه حق مشروط بالمحبة، ومضبوط بالحكمة، ومسؤول أمام الضمير.
هناك مسؤولية أخلاقية أن نشهد لما نؤمن به، وألا نتلون وفق الرياح، وألا نصمت خوفًا حين يجب الكلام. لكن في المقابل، علينا ألا نحول حرية التعبير إلى أداة جرح أو استعراض أو تصفية حسابات. فالكلمة أمانة.
وليست الحرية أن نتكلم بلا حدود، بل أن نمتلك وعيًا يجعلنا مسؤولين عن كل حرف ننطقه. والشجاعة ليست أن نقول كل شيء، بل أن نعرف ماذا نقول، ومتى نقول، وكيف نقول. وهكذا تتكامل الحكمة:
نفكر بحرية كاملة.. ، ونتحدث بمحبة كاملة.. ،
ونتحمل مسؤولية كاملة. "فليس كل ما يُعرَف يُقال،
وليس كل ما يُقال حضر أوانه" ، لكن ما يجب أن يُقال حقًا… ينبغي أن يُقال بصدقٍ وحكمة.