فواز عبدالحق: قائد طوّع الإدارة بقلب الأب وعقل العالم
د. سمر الشديفات
16-02-2026 08:46 PM
من بين وهاد بلدة " النعيمة " في محافظة إربد، حيث تنطق الأرض بأصالة التاريخ، وصولاً إلى أروقة جامعة " ويسكونسن " العريقة في الولايات المتحدة الأمريكية، تتبدى لنا حكاية أردنية صيغت بمداد العصامية ونسجت بخيوط الضاد التي عشقها حتى الثمالة. لم يكن الأستاذ الدكتور فواز عبد الحق الزبون مجرد عابر في سجل الرؤساء الذين تعاقبوا على سدة الأكاديميا الأردنية، بل كان وما زال حالة استثنائية مزجت بين صرامة المنهج العلمي وعذوبة التواضع الإنساني.
من " النعيمة " إلى العالمية : رحلة النحت في الصخر
لم يكن الدرب ممهداً بالرياحين أمام ذلك الفتى الريفي الذي حمل في جعبته طموحاً يطاول عنان السماء. ارتحل " الزبون " مغترباً ليطرق أبواب اللغويات التطبيقية، عائداً من أمريكا بدرجة الدكتوراه عام 1985م. لم يعد بمجرد شهادة أكاديمية، بل عاد بمشروع فكري متكامل في " اللغويات النظرية و التطبيقية " ( Theoretical and Applied Linguistics )، حاملاً رؤية استراتيجية تهدف إلى تمكين اللغة العربية في مؤسسات التعليم العالي، مع تمكن منقطع النظير في فنيات اللغة الإنجليزية وآدابها، مما جعله جسراً معرفياً بين الشرق والغرب.
اليرموك والهاشمية : بصمات محفورة في وجدان المؤسسات
تنقل الدكتور فواز في مناصب قيادية محورية، تركت في كل منها أثراً لا يمحوه تقادم الزمن :
في جامعة اليرموك : قاد عمادة البحث العلمي والدراسات العليا برؤية تطويرية، محفزاً الباحثين على النشر في المجلات العالمية المرموقة.
في الجامعة الهاشمية ( 2020 - 2024 م ): شهدت الجامعة في عهده " ثورة بيضاء " في التصنيفات الدولية ( مثل QS وTimes )، حيث تحولت الجامعة إلى خلية نحل بحثية.
التطوير الأكاديمي : لم يكتفِ بالإدارة الجامدة، بل ركز على استحداث تخصصات نوعية تواكب الثورة الصناعية الرابعة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية كمرتكز أساسي لبناء شخصية الطالب.
القائد الإنساني : كسر " البرستيج " وبناء الجسور
ما يميز " أبو محمد " هي تلك الكاريزما العفوية التي جعلت من مكتبه " ديواناً " مفتوحاً للطلبة قبل النخب. لقد كسر حاجز العزلة التي يفرضها المنصب، فشوهد مراراً يجلس بين الطلبة في الساحات، مصغياً لهمومهم بقلب الأب، وموجهاً لمساراتهم بعقل الخبير. هو الخطيب الذي يطوع اللغة العربية ببراعة، فيمزج في حديثه بين فصاحة اللغوي وقوة حجة الأكاديمي وجزالة لفظ البدوي الأصيل، مما جعله شخصية إجماع وطني تحظى بتقدير العشيرة والمجتمع والدولة.
حارس الهوية وسادن مجمع اللغة العربية
بعيداً عن صخب الإدارة، يبرز الدكتور فواز كجندي مرابط في خندق اللغة الانجليزية. ومن خلال مشاركته الفاعلة في مجمع اللغة العربية الأردني، كرس جهوده العلمية للدفاع عن " التعريب " ومواجهة هيمنة اللغات الأجنبية على المناهج العلمية. هو يؤمن بعمق أن " الأمة التي تستعير لغتها، تستعير فكرها "، لذا كانت أبحاثه التي تجاوزت المئة بحث تدور حول حماية الذاكرة الوطنية من خلال صون اللسان العربي.