ليست أزمة السير في عمّان مجرد مسألة تنظيم طرق، بل مؤشر على طبيعة العلاقة بين الإدارة العامة والمواطن. فالدولة التي تنجح في بناء الثقة تجعل الالتزام بالقانون سلوكًا طبيعيًا، بينما تتحول الرقابة إلى ضرورة حين تتراجع هذه الثقة.
وفق أبسط مبادئ العقد الاجتماعي، يلتزم المواطن بالقانون عندما يثق بعدالته. لكن حين يُطالب السائق بالانضباط في شوارع تحتاج صيانة، وإشارات أكثر وضوحًا، وتخطيطًا أفضل للمسارات، يتولد شعور بأن المحاسبة تسبق الإصلاح. في الدول التي نجحت في تنظيم السير، لم تبدأ المعالجة بالكاميرات، بل بتهيئة الطريق والبيئة قبل مساءلة مستخدميها.
التجارب الدولية تؤكد أن السلامة المرورية نتيجة سياسات شاملة لا أدوات منفردة. ففي السويد مثلًا، قامت الإصلاحات على التعليم والتخطيط والبنية التحتية والتشريع معًا، ما خفّض الحوادث إلى مستويات دنيا. الرسالة هناك كانت واضحة: الطريق مسؤولية النظام قبل أن يكون اختبارًا للسائق.
في الأردن، لا يمكن إنكار أهمية الرقابة، لكنها لا تكفي وحدها. فالكاميرات قد تضبط المخالفة، لكنها لا تبني ثقة، ولا تعوّض غياب الوضوح في البيئة المرورية. والتنظيم الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة تسبق المحاسبة بالإصلاح.
الانضباط في النهاية ليس نتيجة خوف من المخالفة، بل ثمرة شعور بالعدالة. وحين تلتقي الكفاءة في الإدارة مع الثقة في القانون، تصبح الكاميرات أداة مساعدة لا محور السياسة المرورية، ويستعيد الطريق دوره كمساحة نظام لا مساحة توتر.