فرصة لصياغة نقاش وطني هادئ ومسؤول
حسان سلطان المجالي
18-02-2026 09:58 AM
بالرغم من أن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي لا تزال في إطار مشروع قانون قيد النقاش ، إلا أن هذه المرحلة هي الأهم لإبداء الرأي العام قبل أن يدخل المشروع مساره الدستوري الكامل عبر مجلس الأمة بشقيه مجلس النواب ومجلس الأعيان ، ففي هذه اللحظة تحديداً يتشكل القرار ، ويتأثر بعمق بحجم الوعي المجتمعي ونوعية الطروحات المقدمة..
قانون الضمان الاجتماعي ليس تشريعاً فنياً معزولاً، بل هو عقد أمان اجتماعي طويل الأمد ، تمس آثاره ملايين الأردنيين اليوم وغداً ،، ومعادلته تقوم على توازن دقيق بين حماية المؤمن عليه ، وضمان استدامة موجودات الصندوق ، وتحقيق العدالة بين الأجيال ، لذلك فإن أي تعديل يختل فيه أحد هذه الأركان سوف ينعكس مباشرة على الثقة العامة بالمؤسسة ، وهي الثقة التي تشكل أساس استقرارها ...
من هنا تبرز أهمية النقاش العام المبكر لا بوصفه اعتراضاً انفعالياً أو قبولاً مطلقاً، بل باعتباره مساهمة مسؤولة تستند إلى الأرقام والدراسات الاكتوارية ، فالمسائل المتعلقة برواتب التقاعد ، ونسب الاقتطاع ، وسن التقاعد ، وآليات الشمول ، لا تُحسم بردود الفعل ، بل بحسابات دقيقة تقيس الأثر على المدى المتوسط والبعيد ....
والأهم أن البدائل موجودة ، فالمعالجة لا تنحصر في خيار واحد ، ولا تقتصر على تحميل المؤمن عليه كلفة أي اختلال ، فهناك بدائل علمية مبنية على دراسات اكتوارية يمكن أن تعيد ضبط المؤشرات المالية ، وتوزع الأعباء بعدالة ، وتحافظ في الوقت ذاته على جوهر الحماية الاجتماعية...
إن المقاربة المهنية تتيح خيارات متعددة تحقق الاستدامة دون الإخلال بحقوق المشتركين أو المساس بمبدأ التضامن الاجتماعي ،، لذلك فإن المطلوب اليوم هو أن يُقدّم أمام السلطة التشريعية نقاش رصين يتضمن مقترحات مدروسة ، بحيث يمتلك مجلس النواب قاعدة معلومات أوسع وهو يمارس دوره التشريعي والرقابي ،، فكلما كان الرأي العام أكثر تنظيماً وارتكازاً إلى معطيات فنية وعملية ، زادت فرص الوصول إلى صيغة متوازنة تحمي المؤسسة وتحفظ حقوق المواطنين ...
إن استدامة الضمان ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة ، والتسرع في إقرار تعديلات غير مدروسة قد يحقق (وفراً آنياً) لكنه سيُنتج كلفة مستقبلية أكبر ، كما أن تجاهل المؤشرات الاكتوارية إن وجدت يشكل خطراً لا يقل عن ذلك ....
نحن اليوم أمام فرصة لصياغة نقاش وطني هادئ ومسؤول ، يؤكد أن حماية الضمان لا تعني المساس بحقوق الناس ، كما أن حماية الحقوق لا تعني إضعاف المؤسسة ، وبين هذين الحدين يمكن للعلم والدراسة الاكتوارية أن ترسم الطريق نحو التوازن المطلوب بعيداً عن الشعبوية ، وبعيداً عن القرارات المجتزأة .
والله المستعان .
**الكاتب والمستشار قانوني