"فارس الحضور والغياب"عبدالهادي باشا المجالي
محمد مطلب المجالي
11-02-2026 12:03 PM
في ذكرى رحيلك، لا نقف أمام اسمٍ في سجل التاريخ، بل أمام روحٍ كبيرة سكنت وجدان الوطن، ومضت تاركةً خلفها معنى الرجولة حين تكون وطنًا، ومعنى المسؤولية حين تكون قدرًا لا اختيارًا.
رحلتَ يا ابا سهل، وبقيتَ حاضرًا في الذاكرة كما كنتَ في الحياة:
هادئًا في حضورك، عميقًا في أثرك، صادقًا في انتمائك، صلبًا حين يتعلّق الأمر بالأردن.
كنتَ تعرف أن المناصب تزول، وأن الكراسي عابرة، وأن الباقي هو ما يُزرع في القلوب من ثقة، وفي الدولة من هيبة، وفي الناس من أمل. لذلك مضيتَ في دربك تحمل الوطن كما يُحمل الابن في القلب، لا في الخطابات.
يا ابن شيحان
يا من تعلّمتَ من صخورها الصبر، ومن تاريخها الكبرياء، ومن أهلها الوفاء،
كنتَ تشبهها: لا تنحني إلا لله، ولا تساوم على المبدأ، ولا تُخاصم الوطن ولو خاصمك البعض.
حين ارتديتَ البزّة العسكرية، لم تكن مجرّد زي، بل عهدًا قطعته على نفسك أن يكون الأردن قبل كل شيء. وحين جلستَ تحت قبّة البرلمان، لم تغيّر جلدك، بل حملتَ معك روح الجنديه والانضباط، والصدق، وحراسة الهيبة لا التزيّن بها.
لم تكن خطيبًا مفوّهًا، بل رجل موقف.
ولم تكن باحثًا عن تصفيق، بل عن طمأنينة وطن.
وكان صمتك أبلغ من كثير من الكلام، لأنك كنتَ تقول بالفعل ما يعجز عنه القول.
في زمنٍ كثرت فيه الوجوه وقلّت فيه القلوب، كنتَ من أولئك الذين يشبهون الزمن الجميل: زمن الرجال الذين إذا وعدوا أوفوا، وإذا قرروا تحمّلوا، وإذا أخطأوا اعترفوا، وإذا نجحوا تواضعوا.
نستذكرك اليوم لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بحنينٍ إلى نمطٍ من القادة بات نادرًا: قادة يرون في الدولة رسالة، لا غنيمة، وفي المسؤولية أمانة، لا وجاهة، وفي الوطن بيتًا، لا سلّمًا.
رحلتَ، لكنك تركتَ للأردنيين درسًا لا يموت:
أن الوطنية ليست شعارًا، بل سلوكًا،
وأن الرجولة ليست صوتًا عاليًا، بل ضميرًا حيًا،
وأن القامات لا تُقاس بطولها في المناصب، بل بعمقها في الذاكرة.
في ذكراك، نقول لك كما يقول الأبناء للأب الغائب الحاضر:
نم قرير العين يا أبا الهيبة الهادئة،
فالأردن الذي أحببته ما زال قائمًا،
والراية التي حفظتها ما زالت مرفوعة،
والأثر الذي زرعته ما زال يمشي بين الناس.
رحمك الله يا باشا
وجعل ذكراك طيبة كفعلك،
وباقية كبصمتك،
وحاضرة كاسمك في قلب هذا الوطن
لقد أتعبت ما جاؤا بعدك فلروحك السلام.