ثلاثة أيام عطلة أسبوعياً: بين رفاهية الفكرة وواقع الاقتصاد الأردني
السفير د. موفق العجلوني
11-02-2026 01:00 PM
في الآونة الأخيرة، عاد إلى الساحة الأردنية نقاشٌ حول فكرة اعتماد ثلاثة أيام عطلة أسبوعياً، في إطار البحث عن حلول لتحسين بيئة العمل والرفاه الوظيفي. ورغم أن هذا الطرح قد يبدو جذاباً من زاوية اجتماعية وإنسانية، إلا أن مقاربته بمعزل عن الواقع الاقتصادي الأردني تثير تساؤلات جوهرية حول جدواه وتوقيته، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تمر بها المملكة.
لا توجد دولة تعتمد بشكل شامل ودائم نظام ثلاثة أيام عطلة أسبوعياً على مستوى الاقتصاد الوطني. ما جرى في بعض الدول المتقدمة لا يتجاوز تجارب محدودة لأسبوع عمل من أربعة أيام، وغالباً ضمن قطاعات معينة أو شركات بعينها، وضمن اقتصادات تتمتع بإنتاجية مرتفعة، ونسب بطالة منخفضة، وأنظمة حماية اجتماعية متينة. هذه التجارب جاءت نتيجة فائض إنتاجي وقدرة اقتصادية، لا كوسيلة لمعالجة اختلالات هيكلية في سوق العمل.
الهدف الأساسي من مثل هذه الطروحات في الدول المتقدمة يتمثل في تحسين التوازن بين الحياة والعمل، وتقليل الاحتراق الوظيفي، ورفع الإنتاجية من خلال التركيز على جودة العمل لا عدد ساعاته. غير أن إسقاط هذه المفاهيم على الحالة الأردنية دون تكييف واقعي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة وأن الاقتصاد الوطني يعاني أصلاً من ضعف في الإنتاجية، وارتفاع في معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر.
في السياق الأردني، فإن تقليص أيام العمل لا يعني بالضرورة تحسين الأداء الاقتصادي، بل قد يؤدي إلى خفض الناتج المحلي في قطاعات حيوية تعتمد على الاستمرارية، مثل التجارة والسياحة والصناعة والخدمات. كما أن القطاع الخاص، الذي يشكّل المحرك الرئيسي لتوليد فرص العمل، قد يجد نفسه أمام أعباء إضافية وكلف تشغيلية أعلى، في وقت لا يزال فيه يعاني من تحديات ضريبية وتمويلية وهيكلية.
الأثر الاجتماعي لهذه الفكرة لا يقل خطورة عن أثرها الاقتصادي، إذ من المرجّح أن يستفيد منها شريحة محدودة من موظفي القطاع العام، بينما يتضرر العاملون بالأجر اليومي، وأصحاب المهن الصغيرة، والعاملون في القطاع غير المنظم، ما قد يفاقم الشعور بعدم العدالة الاجتماعية ويعمّق الفجوة بين فئات المجتمع. كما أن أي تقليص لأيام العمل دون ربطه بتحسين الإنتاجية أو إعادة هيكلة سوق العمل قد يحمّل الخزينة العامة أعباء إضافية دون مردود حقيقي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم لا يكمن في تقليل أيام العمل، بل في خلق فرص عمل حقيقية، ورفع كفاءة الاقتصاد، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط الأجور بالإنتاج لا بالوقت، ومعالجة البطالة المقنّعة في القطاع العام. فالأردن في هذه المرحلة الدقيقة بحاجة إلى عمل أكثر فاعلية وإنتاجية، لا إلى تقليص أيام العمل في اقتصاد ما زال يبحث عن النمو والاستقرار .
وفي الختام، لا يمكن إنكار حسن النية لدى من يطرح فكرة زيادة أيام العطلة، فالجميع يتمنى راحة أكثر ودخلاً أفضل وحياة أهدأ. لكن الاقتصاد، للأسف، لا يعمل بالنوايا الطيبة وحدها، بل بالأرقام والإنتاج والقدرة على التحمل. فقبل أن نمنح السوق ثلاثة أيام راحة، علينا أن نتأكد أنه لم يتعب أصلاً من قلة الحركة.
ولعل النصيحة الودّية لصاحب هذه الفكرة أن يبدأ بتجربة بسيطة: لنرفع إنتاجية خمسة أيام أولاً، فإذا نجحنا في ذلك، قد نجد يوم العطلة الإضافي يأتي إلينا وحده دون قرار. أما البديل الأكثر واقعية، فهو ليس تقليل أيام العمل، بل جعل أيام العمل أكثر قيمة، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على خلق فرص حقيقية للشباب الباحث عن وظيفة لا عن عطلة.
فالاقتصاد الأردني، باختصار، لا يحتاج إلى نوم أطول… بل إلى عمل أذكى، حتى نحلم جميعاً بعطلة مستحقة لا تشعرنا بالذنب.
اللهم اهدي قومي...!!!