facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاقتصاد خارج الأرقام: كيف تتراكم مكامن الخلل في الأردن؟


د. حمد الكساسبة
18-02-2026 10:07 AM

في كل مرة تُعلن فيها أرقام الدين أو النمو، يُختزل النقاش العام في هذه المؤشرات بوصفها الحكم النهائي على صحة الاقتصاد. غير أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تكشف وحدها اتجاه المسار الاقتصادي. فبعض الاختلالات لا يبدأ في التقارير الرسمية، بل يتشكل تدريجيًا خارجها، قبل أن يظهر لاحقًا في صورة ضغوط مالية أو تباطؤ في النشاط بكلفة أعلى مما لو عولج مبكرًا.

ومن هنا، فإن الخلل لا يرتبط بمؤشر منفرد، بل يتراكم عبر مسارات متوازية تتفاعل فيما بينها. وعلى هذا الأساس، يمكن تحديد ثلاثة أبعاد رئيسية لهذا التراكم: التزامات مالية طويلة الأجل لا تُسجَّل كدين مباشر، وقرارات اقتصادية يتأخر حسمها، ومخاطر بنيوية صامتة تتوسع داخل الاقتصاد. وقد يبدو أثر كل بعد محدودًا بمفرده، إلا أن تفاعلها المشترك هو ما يضعف القدرة على التكيّف ويضيّق هامش الحركة.

أما البعد الأول، فيتعلق بالالتزامات غير المرئية طويلة الأجل. فهذه التزامات قائمة فعليًا لكنها لا تظهر ضمن الدين المباشر، مثل التزامات التقاعد والضمان الاجتماعي وضمانات الدولة لبعض المؤسسات وتعهدات قطاعات حيوية كالمياه والطاقة. ومن ثم، فهي لا تُحدث ضغطًا فوريًا على الموازنة، لكنها تستنزف الخيارات المستقبلية وتحدّ من مرونة السياسة المالية بمرور الوقت.

وفي هذا السياق، وعند النظر إلى الصورة المالية بصورة أشمل، يتضح أن الدين المُعلن، الذي يقترب حاليًا من ٤٧ مليار دينار شاملاً الديون المستحقة لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، يعكس الالتزامات القائمة فقط، ولا يتضمن الأعباء طويلة الأجل التي قد تتحول لاحقًا إلى ضغوط مباشرة. وعليه، فإن الاكتفاء بالمؤشرات الحالية قد يمنح انطباعًا بالاستقرار النسبي، لكنه لا يعكس كامل المخاطر الكامنة في الأفق.

أما من جهة القرارات الاقتصادية، فيتمثل البعد الثاني في الملفات المؤجَّلة. ففي عدد من القضايا، يكون التشخيص واضحًا بينما يتأخر التنفيذ. ويظهر ذلك في إصلاح سوق العمل، وربط الأجور بالإنتاجية، وإعادة تنظيم بعض المؤسسات العامة. ونتيجة لذلك، فإن بطء الحسم يخلق حالة من الترقب تؤثر في قرارات الاستثمار وتضعف الثقة وتحدّ من توليد فرص العمل.

وفي المقابل، يتجسد البعد الثالث في المخاطر البنيوية التي تتسلل تدريجيًا إلى بنية الاقتصاد. ومن أبرزها البطالة طويلة الأمد والبطالة المقنّعة واتساع الاقتصاد غير الرسمي. وهذه الظواهر، وإن لم تُحدث صدمة مفاجئة، فإنها تُضعف كفاءة سوق العمل وتقلّص القاعدة الضريبية، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى الإنتاجية وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.

وفي ضوء ما سبق، فإن معالجة هذه الأبعاد الثلاثة بصورة متكاملة يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في المسار الاقتصادي. وتجارب الاقتصادات المتقدمة تُظهر أن إدراج الالتزامات المستقبلية بشفافية، وتسريع الإصلاحات، ومعالجة اختلالات سوق العمل مبكرًا، كان عاملًا حاسمًا في تعزيز الاستدامة ورفع النمو طويل الأجل، إذ يقلل التعامل الاستباقي مع هذه المسارات من كلفة التصحيح ويمنع تراكم الضغوط المؤجلة.

وانطلاقًا من ذلك، فإن تبنّي هذا النهج في الأردن من شأنه أن يرفع الإنتاجية ويعزز الثقة ويخفض كلفة المعالجة لاحقًا، وهو ما تؤكده الأدبيات الاقتصادية وتقارير صندوق النقد الدولي لعام 2024 وتقارير البنك الدولي للعام ذاته. ومن ثم، يمكن أن يسهم هذا المسار في رفع معدل النمو السنوي بنحو نقطة إلى نقطتين مئويتين على المدى المتوسط، لينتقل من نطاق 2 إلى 3 بالمئة إلى مستويات تقارب 4 بالمئة بصورة أكثر استقرارًا واستدامة. وعليه، فإن جوهر التحدي لا يكمن في مستوى الدين أو معدل النمو بحد ذاتهما، بل في كيفية إدارة هذه المسارات قبل أن تتحول إلى قيود دائمة على قدرة الاقتصاد في السنوات المقبلة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :