هل ما زال مفهوم «الفعل الضار» كافيًا كأساس للمسؤولية التقصيرية في القانون؟
د.جلال الشورة
18-02-2026 03:33 PM
يقوم نظام المسؤولية التقصيرية في القانون المدني الأردني على فكرة محورية تتمثل في ''الفعل الضار''، بوصفه الأساس الذي يُنشئ الالتزام بالتعويض متى ترتب عليه ضرر وكانت بينهما علاقة سببية. وقد وفّر هذا المفهوم، تاريخيًا، إطارًا واضحًا وبسيطًا لتحديد متى يتحمل الشخص تبعة ما يصدر عنه من أفعال، وأسهم في ترسيخ مبدأ عام مفاده أن الإضرار بالغير لا يبقى بلا ضمان.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بسلامة هذا الأساس من حيث المبدأ، بل بمدى كفايته بصيغته التقليدية لاستيعاب صور الضرر المتجددة، وأنماط السلوك التي لم تعد دائمًا مباشرة أو شخصية أو حتى بشرية بالمعنى الكلاسيكي.
لقد صيغ مفهوم الفعل الضار في سياق يفترض وجود سلوك إنساني واضح، إيجابي أو سلبي، يمكن نسبته إلى شخص محدد، ويُقاس في عدم مشروعيته بمخالفة واجب عام بعدم الإضرار بالغير. وبهذا المعنى، كان الفعل الضار يمثل نقطة التقاء بين السلوك والنتيجة، ويشكّل الحلقة الأولى في بناء المسؤولية التقصيرية.
إلا أن هذا التصور يواجه اليوم حالات تتراجع فيها مركزية الفعل بمعناه التقليدي. ففي بعض العلاقات الحديثة، قد يتحقق الضرر دون أن يَبرز فعل بشري مباشر، كما في الأضرار الناشئة عن أنظمة تقنية أو تطبيقات آلية، أو نتيجة تنظيمات معيارية تُطبّق تلقائيًا دون تدخل فردي. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال عمّا إذا كان الضرر قد وقع، بل عمّا إذا كان بالإمكان ردّه إلى «فعل» بالمعنى الذي افترضته النظرية التقليدية.
وتبرز الإشكالية كذلك في حالات الامتناع، حيث لا يكون الضرر نتيجة سلوك إيجابي، بل نتيجة عدم اتخاذ إجراء كان متوقعًا في إطار علاقة سابقة أو وضع قانوني معيّن. فرغم اعتراف الفقه والقضاء بإمكان قيام المسؤولية عن الامتناع في حالات محددة، إلا أن إدخال هذا الامتناع ضمن مفهوم الفعل الضار يظل، في بعض الأحيان، أقرب إلى التوسّع التفسيري منه إلى الانسجام المفاهيمي.
كما تظهر حدود المفهوم عند التعامل مع أضرار لا ترتبط بسلوك فردي معزول، بل بسياق مؤسسي أو تنظيمي أوسع، حيث يكون الضرر نتاج تفاعل مجموعة من القرارات أو القواعد أو الأنظمة، دون إمكانية عزل «فعل» محدد يمكن تحميله وحده تبعة الإضرار. وفي هذه الحالات، قد يبدو التركيز على الفعل، أكثر من كونه وسيلة لتحقيق العدالة، عائقًا أمام توصيف المسؤولية توصيفًا دقيقًا.
ولا يعني هذا كله أن مفهوم الفعل الضار فقد قيمته أو صلاحيته، بل يدل على أنه قد لا يكون وحده كافيًا لتفسير جميع صور المسؤولية التقصيرية في الواقع المعاصر. فالمفهوم الذي صُمّم لضبط سلوك فردي مباشر، قد يحتاج إلى قراءة أكثر مرونة حين يُستعمل في سياقات تتداخل فيها الأفعال، أو تتوارى فيها خلف أنظمة وآليات معقّدة.
ومن هنا، قد يكون من المفيد التفكير في الفعل الضار بوصفه عنصرًا مركزيًا، لا وحيدًا، في بناء المسؤولية التقصيرية؛ عنصرًا يُفهم في ضوء السياق الذي وقع فيه الضرر، وطبيعة العلاقة القائمة، ومدى مشروعية تحميل التبعة، دون التقيّد الحرفي بصورة الفعل كما استقرت في التصورات الكلاسيكية.
إن الحفاظ على استقرار نظام المسؤولية التقصيرية لا يتحقق بالتمسّك الجامد بالمفاهيم، بل بإعادة قراءتها بما يضمن قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية: تحقيق العدالة وجبر الضرر. ومفهوم الفعل الضار، بما يحمله من مرونة ضمنية، يظل قابلًا لهذا التطوير الهادئ، متى أُحسن فهمه وتوظيفه.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا، دون استعجال للإجابة، هو ما إذا كان الاكتفاء بالفعل الضار، بصيغته التقليدية، لا يزال يحقق هذا الغرض في جميع الحالات، أم أن تطور صور الضرر يقتضي قراءة أوسع للأساس الذي تُبنى عليه المسؤولية التقصيرية في القانون المدني الأردني.