بِاسم السردية .. هل نكتب هوية أم نختلق شهادة ميلاد؟!
محمود الدباس - أبو الليث
20-02-2026 02:48 AM
هناك من يتعامل مع السردية كأنها سباق خيل.. من يصل أولا يضع يده على الحجر.. ويحفر اسمه على الصخر.. ويرسم الحدود بقلمه.. ثم يلتفت إلينا قائلا.. هكذا كان التاريخ.. وكأن الماضي أرضٌ بور ينتظر من يملكه.. وكأن الحقيقة يتيمة تبحث عمن يتبناها.. بينما السردية في جوهرها ليست سبقا.. بل مسؤولية.. ليست امتلاكا.. بل أمانة ثقيلة..
السردية.. قبل أن تكون نصا.. هي إطار معنى.. هي العدسة التي ننظر من خلالها إلى الوقائع.. لا الوقائع ذاتها.. هي اختيار نقطة بداية.. وتحديد بطل.. وتعريف ضحية.. وترتيب أحداث.. ثم القول بثقة.. هذه هي الحكاية.. لكنها لا تبدأ من الأقدم زمنا.. بل من الأقدر على حمل المعنى.. لأن الأرض أقدم من كل أسمائنا.. وأقدم من كل دولنا.. فمنذ أن بُسطت هذه البقعة من العالم وتعاقب عليها أقوام لا يحصيهم كتاب واحد.. مروا.. استقروا.. رحلوا.. ذاب بعضهم في بعض.. وتبدلت اللغات والرايات.. وبقي المكان شاهدا لا ينحاز..
وهنا يتضح الفرق بين سردية الجغرافيا وسردية الوطن.. سردية الجغرافيا تحكي قصة الأرض عبر العصور.. عن الأقوام الذين مروا بها.. عن الحضارات التي تركت نقشا ثم مضت.. دون أن تدّعي أن الزمن توقف عند لحظة معينة.. أما سردية الوطن فهي قصة الدولة الحديثة.. المؤسسات.. الدستور.. الكيان السياسي الذي تشكل في لحظة تاريخية واضحة.. الأولى واسعة الامتداد.. والثانية دقيقة الانتماء.. الأولى تقول ماذا جرى على هذه الأرض.. والثانية تقول كيف أصبح لنا كيان اسمه دولة..
الإشكال يبدأ حين يخلط البعض بين الاثنين عمدا.. أو جهلا.. فيستدعي شعبا قديما ليجعله شهادة ميلاد حصرية.. أو يقفز فوق قرون طويلة.. ليبدأ الحكاية من حيث يشتهي.. وكأن الغاية ليست الفهم.. بل الإثبات.. وكأن المطلوب ليس بناء معنى جامع.. بل صناعة هوية نقية لم تختلط.. وهنا تدخل الأهواء.. فتتحول السردية إلى أداة إقصاء.. لا إلى مساحة احتواء..
الحديث عن نقاء عرقي في هذه المنطقة.. يشبه الحديث عن نهر لم تصله روافد.. هذه الأرض كانت ممرا ومقاما.. جسرا بين الجزيرة وبلاد الشام والعراق والأناضول والقفقاس.. تمازجت فيها الأعراق.. وتداخلت الأنساب.. وصار المجتمع نتاج تراكم.. لا سلالة مغلقة.. وكأن لسان البعض يقول.. أن لهم آدم وحواء خاصين بهم؟!.. وأن الانتساب إلى جذور من خارج هذه الجغرافيا عار؟!.. أي منطق هذا الذي يجعل الامتزاج ضعفا.. وهو سر البقاء في كل الحضارات؟!..
إن أخطر ما يهدد أي سردية.. هو أن تُكتب بروح الانتقاء.. أن تختار من الماضي ما يخدم الهوى.. وتغفل ما سواه.. أن ترفع حقبة إلى مرتبة الأسطورة.. وتدفن أخرى في الظل.. أن تجعل التاريخ خادما لفكرة مسبقة.. لا مرآة لفهمٍ صادق..
فالسردية الرصينة لا تنكر التعدد.. ولا تخاف من الاعتراف بالتحولات.. بل تبني هويتها على التراكم.. لا على القطيعة.. وعلى الاندماج.. لا على الوهم..
ومن هنا نعود إلى السؤال الجوهري.. ماذا نريد؟!.. هل نبحث عن سردية جغرافيا ممتدة منذ أقدم العصور.. نروي فيها قصة الأرض بكل من مر عليها.. دون ادعاء نسب حصري؟!.. أم نبحث عن سردية وطن.. تبدأ مع تأسيس الدولة التي ننتمي إليها.. تشرح كيف تشكل الكيان السياسي.. وكيف تمازج المجتمع.. وكيف صاغ هويته الحديثة؟!.. أم نريد مزجا واعيا بين الاثنين.. يعترف بعمق الأرض.. ويحدد بوضوح لحظة الدولة؟!..
الجواب ليس بسيطا.. لكنه ليس غامضا أيضا.. إن أردنا سردية تبني ولا تهدم.. تجمع ولا تقصي.. فعلينا أن نكون صريحين.. الأردن ليس ابنا وحيدا.. لشعب واحد عبر آلاف السنين.. وليس كيانا بلا جذور أقدم منه.. هو حصيلة أرض عريقة.. ومجتمع تمازج.. ودولة حديثة تشكلت بإرادة سياسية وتاريخية معروفة.. فإن كتبنا سرديته بهذا الوعي.. وضعنا النقاط على الحروف دون مجاملة.. وغضب مَن غضب ورضي مَن رضي.. لأن الحقيقة لا تُقاس بمدى رضا الجميع.. بل بمدى اتساقها مع العقل والوقائع..
وفي نهاية هذه الرحلة التي سرناها معاً.. ستجد نفسك أيها القارئ العزيز على قلبي.. وسأجد نفسي أيضاً.. أمام مفترق طرق واضح.. إما أن نختار سردية تعترف بالتعدد والتراكم.. وتبني هوية واضحة وواثقة وراسخة.. وإما أن نغرق في وهم النقاء.. والاقصاء.. ونحول التاريخ إلى أداة صراع..
ولا بد من السؤال الذي لا مفر منه.. هل نريد حكاية أرض فقط؟!.. أم حكاية دولة فقط؟!.. أم حكاية إنسانٍ صنع من الأرض وطنا.. ومن التعدد قوة.. ومن التاريخ مسؤولية؟!.. هنا يبدأ القرار.. وهنا تتحدد ملامح السردية التي نستحقها..