في كل مرة يُفتح فيها ملف الضمان الاجتماعي، يعود السؤال ذاته ليقف في منتصف الطريق بين الدولة والمواطن: من يحمي من؟
هل نحمي الصندوق من العجز… أم نحمي الإنسان من القلق؟
قرار رفع سن التقاعد من 60 إلى 65 لا يُقرأ كرقمٍ يُعدَّل في مادة قانونية فحسب، بل كتحوّلٍ يمسّ صورة الحياة التي رسمها الموظف لنفسه بعد عقود من العمل. فالإنسان لا ينتظر التقاعد كترف، بل كاستراحة مستحقة، كفسحة زمنٍ يعيد فيها ترتيب صحته، وعلاقاته، وأحلامه المؤجلة.
حين يُقال إن الاستدامة المالية تقتضي تمديد سنوات العمل، يبدو الأمر للوهلة الأولى منطقياً في دفاتر الحسابات. متوسط الأعمار يرتفع، وعدد المتقاعدين يزداد، والضغط على الصناديق يتضاعف. لكنّ الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تُلخّص القصة كاملة.
"الاستدامة المالية" ليست فقط في تأجيل الاستحقاق، بل في "تعظيم العائد"، و"تحسين الإدارة"، و"إعادة النظر في مسارات الاستثمار".
المواطن البسيط يسأل بسذاجة مشروعة:
لماذا يكون الحل الأسهل دائمًا هو مدّ سنوات العمل، لا رفع كفاءة استثمار أموال الضمان؟
لماذا يُطلب من الفرد أن يتحمل الكلفة أولًا، قبل أن يُسأل عن كفاءة إدارة الموارد؟
هنا لا نتحدث عن صراع بين “الدولة” و“المشتركين”، بل عن فجوة ثقة تحتاج إلى جسر. فحين يشعر الناس أن الإصلاح يبدأ من جيوبهم لا من مراجعة السياسات، يتولد إحساس بالغبن، حتى لو كانت النية إصلاحية بامتياز.
الضمان الاجتماعي ليس صندوقًا ماليًا فقط؛ هو "عقد اجتماعي" ضمني بين الأجيال. العامل الشاب يموّل اليوم تقاعد من سبقه، على أمل أن يجد من يمول تقاعده غدًا. وأي تعديل في هذا العقد يجب أن يُدار بحساسية عالية، وبشفافية مطلقة، وبحوار وطني صريح يشرح الأرقام كما هي، لا كما نرغب أن تُفهم.
رفع سن التقاعد قد يكون أحد الخيارات الممكنة، لكنّه ليس الخيار الوحيد.
هناك أسئلة أعمق ينبغي طرحها:
ما هو العائد الحقيقي لاستثمارات أموال الضمان مقارنة بالمعايير العالمية؟
ما حجم الكلف التشغيلية والإدارية؟
هل هناك فرص استثمارية أكثر كفاءة وأقل مخاطرة؟
هل يمكن تنويع المحافظ الاستثمارية بطريقة ترفع العائد دون تعريض أموال المشتركين لمخاطر غير محسوبة؟
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من “اليد التي تعمل”، بل من “العقل الذي يدير”.
فالموظف الذي يشعر أن سنوات عمله تُمدّد دون أن يرى تحسينًا في "جودة الإدارة" أو "شفافية القرار"، سيشعر وكأن الضمان يطلب منه أن “يقطع يده” ليحمي الصندوق.
ثم هناك بُعدٌ آخر لا يقل أهمية: سوق العمل.
في بلدٍ يعاني من بطالة مرتفعة بين الشباب، فإن تأخير خروج من هم في الستين قد يعني تأخير دخول من هم في العشرين. الإصلاح المالي لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي، ولا عن ديناميكيات الفرص بين الأجيال.
لسنا ضد الاستدامة المالية، بل معها. ولسنا ضد الإصلاح، بل نطالب به.
لكن الإصلاح العادل هو الذي يُوزّع الأعباء بعدالة، ويُراجع الإدارة قبل أن يُعدّل أعمار الناس.
الضمان وُجد ليحمي "كرامة الإنسان" في شيخوخته، لا ليحوّل التقاعد إلى أفقٍ يتراجع كلما اقتربنا منه.
إذا كان لا بد من قرارات صعبة، فلتكن ضمن رؤية شاملة تعالج الاستثمار، والحوكمة، والشفافية، وسوق العمل، لا بندًا منفردًا يُحمَّل على كتفي الموظف وحده.
الضمان ليس معادلة حسابية باردة.
إنه رسالة طمأنينة.
وإذا فقد الناس هذه الطمأنينة، فلن تنقذ الصندوقَ كلُّ الجداول المالية في العالم.
فالاستدامة المالية الحقيقية لا تُبنى بمدّ السنوات فقط…
بل ببناء الثقة.
أما "الدراسات الاكتوارية" — على أهميتها — فهي أداة، لا قدرٌ محتوم.
هي وسيلة لقراءة المستقبل، لا ذريعة لفرضه.
فالرقم بلا "إنسان"… مجرد رقم.
والتوازن المالي بلا "عدالة"… هشٌّ مهما بدا صلبًا.
الضمان لا يقوم على المعادلات وحدها،
بل على شعور العامل أن تعبه مصان،
وأن شيخوخته ليست بندًا قابلًا للتأجيل كلما اختلّت الحسابات.
حين نُقدّس الدراسة ونُهمّش الإنسان، نُربك المعادلة كلها.
وحين نبني الثقة أولًا… تصبح حتى الأرقام أكثر قابليةً للتصديق.
فالضمان وُجد ليحمي الناس…
لا ليطلب منهم أن يدفعوا ثمن كل خللٍ إداريٍ سابق.