facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




د. العجارمة ومعركة الوعي .. حين تتحوّل التربية إلى درعٍ يحمي العقول ويصون الوطن


د. محمد يوسف حسن بزبز
26-02-2026 01:15 PM

لم تعد المخدرات في عصرنا خطرًا صحيًا عابرًا، ولا سلوكًا فرديًا معزولًا يمكن احتواؤه بإجراءات آنية أو حملات موسمية؛ بل غدت تحدّيًا مركّبًا يستهدف بنية الوعي ذاتها، ويضرب في عمق الإنسان قبل أن يظهر أثره على الجسد أو السلوك.

وفي هذا السياق، يقدّم عطوفة الأمين العام للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم الأردنية، الدكتور نواف العجارمة، رؤيةً تربويةً متقدّمة في خطابه الموجَّه إلى طلبة المدارس في الأردن : (آفة المخدرات تهدّد عقول المستقبل، والتربية حصن الوطن ودرع القيم الراسخ)؛ رؤية تنطلق من فهمٍ عميق لطبيعة الخطر، وتؤسّس لمقاربة شاملة في مواجهة آفة المخدرات، تقوم على التحصين لا التخويف، وعلى بناء العقل لا الاكتفاء بالتحذير.

وينطلق هذا الطرح من قناعة فكرية راسخة مفادها أن حماية الطلبة من المخدرات ليست شأنًا أمنيًا بحتًا، بل مسؤولية تربوية ووطنية في المقام الأول؛ لأن المعركة الحقيقية ليست مع مادةٍ تُتداوَل فحسب، بل مع فكرةٍ تُسوَّق، وقناعةٍ تُزيَّف، وسلوكٍ يُغلَّف بوهم التجربة أو بدافع الفضول. ومن هنا، تتقدّم التربية لتكون خط الدفاع الأول، فتتحوّل المدرسة إلى مساحة وعيٍ حيّ، لا مجرّد مكانٍ للتلقّي، ويغدو الطالب شريكًا في المسؤولية، لا متلقيًا سلبيًا لرسائل التحذير.
ويحتلّ العقل في هذه الرؤية موقع القيمة العليا التي ينبغي صونها وحمايتها؛ فالعقل موضع القرار، ومنبع الإرادة، وأساس الكرامة الإنسانية. وحين يُصان العقل، تُصان الشخصية، ويصبح الطالب قادرًا على التمييز بين ما يسمو به وما يهوي به.

ومن هذا المنطلق، يخاطب الدكتور العجارمة، الطلبة بلغة الثقة لا الوصاية، ويمنحهم الإيمان بقدرتهم على اتخاذ القرار السليم عن قناعة وبصيرة، لا عن خوفٍ مؤقّت أو ضغطٍ خارجي.

ولا تقف هذه الرؤية عند حدود الخطاب النظري، بل تمتدّ إلى ممارسات واقعية تُشكّل منظومة وقائية متكاملة تتبنّاها وزارة التربية والتعليم من موقع مسؤوليتها التربوية؛ إذ جرى تعزيز التعاون المنهجي مع الجهات المختصّة، وتفعيل الشراكات الوطنية، بما يجعل المدرسة جزءًا فاعلًا في شبكة الحماية المجتمعية، ويؤكّد أن الوقاية عملٌ تشاركي لا ينجح إلا بتكامل الأدوار وتنسيق الجهود.

كما شملت هذه المنظومة اعتماد خطط توعوية مدروسة، تقوم على إعداد مواد تثقيفية مبسّطة تكشف مخاطر المخدرات وآثارها الصحية والنفسية والاجتماعية، وتفعيل حصص النشاط المدرسي لتكون منصّات حوارٍ حقيقي تُناقَش فيها القضايا بوضوح ومسؤولية، وتُفتح فيها مساحات آمنة للأسئلة والمصارحة، بما يعزّز الحسّ النقدي لدى الطلبة، ويمنحهم القدرة على الفهم العميق واتخاذ الموقف الواعي.

أمّا الإذاعة المدرسية الصباحية، فقد أُعيد توظيفها لتغدو منبرًا يوميًا لبناء الوعي مع أوّل إشراقة، تُغرس من خلالها القيم، ويُعزَّز الانتماء، ويُربط العلم بالأخلاق، لتبدأ خطوات الطلبة كل صباح على أرضٍ صلبة من الإدراك والثبات. وفي قلب هذه المنظومة، يبرز دور المعلّم والمرشد التربوي بوصفهما خطّ الدفاع الإنساني الأول؛ حيث تمثّل العين اليقظة، والكلمة الصادقة، والاحتواء الأبوي، عناصر أساسية في بناء بيئة مدرسية آمنة، يشعر فيها الطالب بأنه مصون في فكره، عزيز في كرامته، وواثق في ذاته.

وتتّسق هذه الرؤية التربوية مع البعد الوطني الأشمل، الذي ينظر إلى الإنسان الأردني بوصفه الثروة الأغلى، وإلى الشباب باعتبارهم ركيزة المستقبل وأمله. فمواجهة المخدرات، وفق هذا المنظور، ليست مهمة ظرفية أو حملة مؤقّتة، بل مشروع وطني طويل الأمد، يتطلّب ترسيخ ثقافة الرفض الواعي، وبناء حصانة داخلية تجعل الطالب قادرًا على مقاومة الإغراء، والانتصار على الخطأ، واختيار الطريق الذي يليق به وبوطنه.

إن ما يطرحه الدكتور نواف العجارمة، في هذا الخطاب يتجاوز التحذير التقليدي، ليؤسّس لنهجٍ تربوي وقائي متكامل، يُعيد الإعتبار للعقل، ويعزّز الثقة بالإنسان، ويجعل من التربية درعًا للوطن، ومن الوعي سلاحًا لا يُهزم. وبهذا الفهم، يصبح الإستثمار الحقيقي في مستقبل الأردن استثمارًا في عقول أبنائه، وفي قيمهم، وفي قدرتهم على بناء وطنٍ آمنٍ بوعي أبنائه قبل أي شيء آخر.

ويُثمَّن لعطوفة الأمين العام للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم، الدكتور نواف العجارمة، هذا الخطاب الواعي والمسؤول الذي يُجسِّد وعي الدولة، ويؤكّد أن التربية الواعية تبقى الحصن الأمتن لحماية العقول وصون الوطن.

*د. محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميّز التربوي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :