الحرب في الشرق الأوسط .. حسابات التصعيد وحدود المواجهة
د. ايهاب عمرو
01-03-2026 08:42 PM
لم يعد خافياً على المتابع الحصيف أن الهدف التالي بعد انتهاء الحرب ضد قطاع غزة المكلوم يتعلق بالقضاء على القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة الصاروخية منها، وعلى البرنامج النووي الإيراني، إذا ما علمنا أن إيران نجحت في فرض نفسها كقوة إقليمية من خلال توظيفها بذكاء لبرنامجها النووي خلال العقدين الأخيرين، على الرغم من كونها أبعد ما تكون عن تخصيب اليورانيوم بنسب مرتفعة وصنع السلاح النووي في الواقع العملي، وهو ما أكده المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق محمد البرادعي في إحدى مقابلاته التلفزيونية.
ولعلّ حسابات الأطراف، سواء كانت تكتيكية أو استراتيجية، تختلف بشكل بيّن، فبينما ترفع إٍسرائيل من سقف أهدافها بحيث تشمل، إضافة إلى القضاء على القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، القضاء على القيادة الإيرانية الحالية أو إضعافها بشكل كبير، ما قد يمهّد لقيام الشعب الإيراني بانتفاضة ضد تلك القيادة واجتثاث نظام ولاية الفقيه بما يشكّله، من منظور إسرائيلي، خطراً استراتيجياً.
وذلك مرده إلى أن إسرائيل ترى في النظام الإيراني الحالي تهديدا وجوديا لا بد من إزالته، وربما تكون الفرصة قد سنحت لتحقيق ذلك الهدف الإستراتيجي، وإحلال نظام بديل أكثر مرونة وأقل عداوة من وجهة نظرها. ويشي ذلك بالرغبة في الهيمنة على المنطقة، والتخلص من خصم عنيد ينافسها على النفوذ الإقليمي وتشكيل الشرق الأوسط الجديد.
أما الولايات المتحدة الأميركية فمن الواضح أنها تهدف، وفقاً لما هو مُعلن، إلى إضعاف إيران سياسياً وعسكرياً لدرجة يمكن معها فرض شروطها عليها في المفاوضات الجارية بين الطرفين، ما قد يؤدي إلى تدجين النظام الإيراني الحالي توطئة لدمجه ضمن منظومة السلام في المنطقة، وهو ما يمهّد إلى توسيع رقعة الاتفاقات الأبراهامية مستقبلاً.
بكلمات أخرى، ليس من الواضح بشكل جلي فيما إذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلى القضاء على النظام السياسي الإيراني الحالي الذي يقوم بأدوار مختلفة في المنطقة لم تعد خافية على أحد، منها استخدام إيران كفزاعة ضد بعض دول المنطقة، خاصة في منطقة الخليج العربي، ناهيك عن الأدوار الأخرى التي تقوم بها إيران فيما يتعلق بضمان أمن الطاقة، وأمن الملاحة البحرية التي تؤثر بشكل رئيس على التجارة الدولية.
وبالنسبة لإيران العنيدة، فإنها وإن قامت بتقديم بعض التنازلات في جولة المفاوضات الأخيرة، بما يشمل الموافقة على تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أدنى حدودها، ما يعني عدم قدرتها على إنتاج السلاح النووي مستقبلاً، إلا أنها ترى في تلك الحرب كوسيلة ضغط عليها لدفعها لتقديم المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات، ما قد يضعف دورها كقوة إقليمية. ناهيك عن رؤية نظام ولاية الفقيه للصراع الحالي في البعد التاريخي، إضافة إلى الأبعاد الدينية، والسياسية، والاقتصادية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ملف الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، حيث ستجري انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة نهاية العام الحالي، ربما يكون أحد أسباب شن تلك الحرب في هذا التوقيت بالذات، إذا ما علمنا أن شعبية الرئيس الأميركي الجمهوري قد انخفضت بشكل كبير. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يدرك أن تحقيق إنجازات عسكرية في تلك الحرب سوف يكون له تداعيات سياسية عميقة في الداخل الإسرائيلي قبل عقد الانتخابات نهاية العام الجاري.
ويتعين القول إن قيام إيران باستهداف بعض دول المنطقة بحجة استهداف الأهداف والمصالح الأميركية يعد انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي الذي يحظر على الدول انتهاك سيادة الدول الأخرى. وربما أرادت إيران إرسال رسالة مفادها أن الضرر يعم ولا يخص، بمعنى أن استهدافها لتلك الدول ينبع من اعتقادها بأن تلك المصالح المستهدفة إنما ترتبط بالولايات المتحدة بشكل رئيس، ما يبرر وجهة نظرها أنها لا تستهدف مصالح تلك الدول وإنما تستهدف المصالح الأميركية فيها.
وهنا تكون مخطئة في ذلك من منظور قانوني وسياسي وحتى اجتماعي، كون أن ذلك الاستهداف قد يلحق الضرر بعلاقاتها مع تلك الدول العربية الوازنة في المنطقة، التي سعت جاهدة إلى منع وقوع الحرب، وقد يؤثر سلباً على الرأي العام في تلك الدول، خاصة في حالة وقوع ضحايا أبرياء نتيجة ذلك الاستهداف، إضافة إلى أن ذلك الاستهداف يشكّل مساساً بمبدأ حُسن الجوار.
ويتعين الإشارة إلى أن الدول العربية المستهدفة ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع دول العالم كافة، ما يشمل الولايات المتحدة، وترتبط كذلك باتفاقيات ثنائية ملزمة معها في مجالات عديدة، بما يشمل العسكرية والاقتصادية. وذلك يستوجب حماية تلك الدول العربية عند تعرضها لأي استهداف خارجي أياً كان مصدره ودوافعه.
ونخلص إلى القول: توجد سيناريوهات عديدة بشأن مدة تلك الحرب ونطاق أهدافها وتداعياتها الآنية والمستقبلية، ما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وربما يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة من جديد، خاصة في ظل حالة الضعف التي تعتري وكلاء إيران في المنطقة حالياً، ما يعني ربما عدم قدرة إيران على استخدام أذرعها في تلك الحرب. ناهيك عن رفض الدول العربية التي ينشط فيها وكلاء إيران لأي تدخل في تلك الحرب درءاً للمفاسد التي قد تحدث لاحقاً.
وعليه، نرى أنه من المبكر الحديث عن مدة معينة لتلك الحرب أو عن مآلاتها المستقبلية، حيث يبقى الأمر مرهوناً بالتطورات الميدانية والسياسية والداخلية في الدول المتنازعة. بكلمات أخرى، تبقى كافة الاحتمالات مفتوحة، خاصة في حالة حدوث مفاجآت غير متوقعة، واتخاذ خطوات غير مدروسة من قبل الأطراف المتنازعة، وهو ما قد يخرج تلك الحرب عن السيطرة.
وأياً كان الأمر، فإن نتائج تلك الحرب سوف يكون لها تداعيات كبيرة على منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة، وربما على العالم، نظراً لموقع إيران الجيوسياسي وأهمية دورها في تحقيق الاستقرار الإقليمي المنشود وضمان أمن الطاقة والملاحة البحرية والتجارة الدولية، كما أسلفنا.